اتسعت رقعة «الخلافة الداعشية» المزعومة إلى صحراء ليبيا وجنوب اليمن والقرن الأفريقي مشكّلة خطراً متزايداً على الإسلام السني، حيث تتعدد المحاولات الكاريكاتورية لاستنساخ تجاربه التاريخية في الاجتماع السياسي خارج سياقاتها الظرفية وبدون ضوابطها القيمية وتوازناتها المجتمعية. ومن المثير للاستغراب أن آلاف الشباب من العالم الإسلامي ومن مسلمي الغرب توافد على «الخلافة الداعشية»، بحثاً عن «الإمارة الشرعية»! التي تنعقد لها البيعة! مما يكشف عن خلل خطير في الثقافة الدينية السائدة التي غذتها الدعوات الأيديولوجية المتطرفة في السنوات الأخيرة. ليس من همّنا هنا الوقوف بالتفصيل عند «الأدبيات» التي استندت إليها الحركة «الداعشية» والتنظيمات الموالية أو المماثلة لها، وإنما أردنا الاكتفاء بإبراز الانزياح الكبير بين أطروحة الإمامة في الفقه السياسي الإسلامي الوسيط ومقاربات استنساخها الراهنة التي تندرج في منطق مختلف ورهانات مغايرة لهذه التجربة الأصلية. ولابد من الإشارة في البدء إلى أن القراءة السياسية- الأيديولوجية للإسلام التي بدأت منذ عشرينيات القرن الماضي مع فكرة الطابع الديني- السياسي المزدوج للإسلام التي هي منطلق مدرسة «الإخوان المسلمين» ولّدت هذا الخلط السائد بين الإمامة الشرعية والدولة الإسلامية بالمفهوم الحديث للمقولة. ولسنا بحاجة إلى إيراد الاستشهادات الكثيرة للتدليل على أن أحكام الإمامة ليست بالنسبة لأهل السنة من أصول الاعتقاد ولا حتى من أصول الشريعة، بل هي في معظمها حسب عبارة إمام الحرمين الجويني «عرية عن مسلك القطع، خلية عن مدارك اليقين». ومن هنا ندرك الطابع الإبستمولوجي (المعرفي) القلق لمبحث الإمامة الذي إن كان في أساسه تجميعاً لأحكام فقهية متناثرة في أبواب الفقه إلا أنه ليس من أساسيات بنود الفقه، ولئن دأب المتكلمون على التعرض له في آخر فصول كتبهم إلا أنهم لا يعدونه من مسائل العقيدة وعادة ما يكتفون في تناوله بالرد على الأطروحة الشيعية التي تذهب إلى أن الإمامة من أصول الاعتقاد المحددة بالنص. وإذا كان بعض الباحثين المحدثين يعطي أولوية كبرى لكتابات الأحكام السلطانية التي ظهرت في القرن الخامس الهجري لدى الماوردي وأبي يعلى (ثم الجويني) باعتبار أنها تحوُّل في حركية الفكر السياسي الإسلامي، إلا أن هذه الكتابات التي تعكس أزمة نموذج الخلافة الإسلامية وانهيار نظامها المؤسسي المركزي (في العصر العباسي الثاني) لا تقدم أي أطروحة إيجابية في الدولة، وإنما تكتفي بالربط بين النقاش الكلامي حول وجوب الإمامة والوصف التفصيلي لنظم الدولة القائمة. والمبحث الكلامي يتلخص في إشكالات ثلاثة هي: - وجوب الإمامة بمعرفة هل هي واجبة سماعاً (كما هو رأي أغلب أهل السنة) أو عقلًا، وهل هي واجبة على الله اقتضاء للطف والمصلحة (كما هو قول جمهور المعتزلة) أو غير واجبة عليه كما يرى أهل السنة. - وظائف الإمامة التي تتلخص في رعاية الدين وحفظ الجماعة من الفتنة. - شروط الإمامة التي تتأرجح بين نموذج مثالي قريب من النبوة وسقف واقعي يصل إلى حد قبول إمامة الفاسق والظالم اتقاء للفتنة. أما المبحث الفقهي فلا يتعدى الولايات الوظيفية الإدارية وأحكام العقوبة التي ينفذها الحاكم، باعتبار أن سلطة التأويل والتشريع والفتوى بيد الفقيه لا الحاكم مما ينزع من السلطة السياسية محور السيادة القانونية التي هي أساس هوية وشرعية الدولة الحديثة. فمن الواضح أن الإمامة نموذج من الحكامة يختلف عن تجربة الدولة السياسية الحديثة، وهو نموذج لا يمكن تنزيله في شكل الدولة الدينية الثيوقراطية نتيجة لأسباب ثلاثة مترابطة: استحالة تجسيد الحالة البشرية لما هو إلهي، والفصل بين الجانب التدبيري المصلحي في الحكم ونظام الشرائع التعبدية، واختصاص الله تعالى بالسيادة والملك. لقد كان ابن تيمية (الذي يستند إليه خطأ المتطرفون) واعياً باستحالة بعث الخلافة، رافضاً الخلط بين مقام النبوة والحكم، معتبراً أن السلطة السياسية من أثر القوة والغلبة، وأقصى ما يطلب منها حفظ الدين وأمن الجماعة واعتماد مبدأ المناصحة والمشورة.. أما أخلاقيات الاجتماع الأهلي فليست من مهام السياسة، بل هي من وظائف الجماعة بصفتها وعاء الدين وإطاره الحاضن عند تقلب أحوال الحكم وتبدل موازين السلطة.