ديكارت، الفيلسوف المعروف، له كلمة خلاصتها أننا نبصر العالم من كهفنا. وحقيقة الأمر أن من يعيش في كهف لا يرى الأشياء على حقيقتها بل يحكم بناءً على ظلال تنعكس من الخارج إلى الداخل ثم يترجمها عقله البشري القاصر عبر رموز مبهمة إلى حقائق متصورة. وإذا كان تنظيم «داعش» عند العالم الحر مجموعة من الوحوش في صورة آدميين نزعت عنهم جل صفات الإنسانية، لذلك هم يمارسون بكل وحشية أبشع صور انتهاك حقوق البشرية.. وإذا كانت «داعش» عندنا كمسلمين تمثل حلقة من تاريخ تنظيمات التطرف الديني والانسلاخ عن منهج الوسطية التي جاء بها الدين الحنيف.. فإن «داعش» عند غيرنا قد تمثل مصدراً لتفريغ شحنات من الكبت الذي تأجج عندهم لينخرطوا مع الآلاف ممن لم يفهموا حقيقة الدين. ووفق ما ورد في تقرير «مؤتمر ميونيخ للأمن 2015»، فإن تنظيم «داعش» يمتلك جيشاً يقدر بنحو 180 ألف مقاتل، أي 6 أضعاف ما ذكرته الـ«CIA». وقد استطاعت «داعش» استثمار صراع التحزبات الدينية الطائفية في العديد من الدول العربية، كي تقول للسنة: نحن خلاصكم المنتظر من كيد أعدائكم! وكما ذكرت صحيفة «الواشنطن بوست» فإن الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران في العراق تلعب دوراً أكبر من الجيش في محاربة «داعش»، ما يهدد استراتيجية القيادة المركزية الأميركية في العراق الهادفة لإعادة بناء الجيش العراقي. ووفق تقرير الصحيفة، فإن عدد مقاتلي هذه الميليشيات يتراوح بين 100 و120 ألف مسلح، مما يروع السنّة الذين يرون في تزايد عددها «غزواً إيرانياً» قد يؤجج الحرب الأهلية بدلا من أن ينهيها. وفي تصوري أن اليمن تنحو نحو العراق، فقد نجحت الطائفية الإيرانية في خلق أرض خصبة باستثمار الحوثيين كي يكونوا مؤججين لمذهبية جديدة في يمن الحكمة. فقد عاش أهل اليمن سعداء عبر تاريخهم القديم والمعاصر، لا تعرف سنتهم من زيديتهم، بل حتى اليهود كانوا في سلام تحت راية المجتمع اليمني المنسجم بلحمة مجتمعية لم تفرقها مذهبية سياسية مقيتة، كما كان العراق كذلك إلى زمن قريب. بيد أن أعداء المنطقة والمنطق استثمروا مذهبيتهم لخلق فجوة دينية يقتل فيها الإنسان على الهوية. اليمن إن لم تتداركه دول الجوار، سيكون بؤرة يصطلي الجميع بنارها حيث تتجمع اليوم فلول «القاعدة» و«داعش» لإعلان أنفسهم كمنقذين لليمن من هذه الفوضى التي يعيشها. نحن لا نعرف «داعش» بل نرى ظلالها ونحكم على خيالها، والإعلام يصورها على هيئة والحقيقة تقتضي الخروج من كهفنا كي ندرس هذه الردة عن منطق الوحدة الإسلامية، الردة التي أوجدتها جماعات شكلت بؤرة لإفساد الأمة بدأت بـ«القاعدة» وامتدت إلى «داعش» المعاصرة. كما أن الدول العربية بحاجة إلى إعادة بناء المواطنة المبنية على المشاركة في الحقوق والواجبات، في جو من العدالة والتنمية الاجتماعية المستدامة، وإلا أن استمر خداع النفس بوهم الحرب على الإرهاب فستكون هذه الدول والمجتمعات كالذي يَصْب الزيت على النار. وكما كتب «روبرت فيسك» في صحيفة «The Independent» فإن «الحرب على الإرهاب أضحت مصطلحاً مطاطاً يتم استخدامه دون إطار محدد.. ما نتج عنه زيادة عدد الأعداء الذين تتعين محاربتهم».