في كراتشي، خلت الشوارع من المارة يوم الأحد، حيث احتشد السكان حول شاشات التلفزيون لمشاهدة مباراة الافتتاح. وشهدت سائر المدن والقرى الباكستانية مشاهد مماثلة، في لحظة نادرة من الوحدة الوطنية في بلد معروف بالانقسامات العرقية والسياسية. يقول «زاهور الحسين» (40 عاماً): إن «شعب باكستان يعتبر هذه حرباً وليست مباراة. والشعب لا يبالي بمن يفوز بكأس العالم، بل كل ما يريده هو أن تهزم باكستان الهند». وخلال النصف الثاني من المباراة التي استغرقت سبع ساعات وأقيمت في أستراليا، بدا من الواضح أن الهند بنت دفاعاً لا يمكن التغلب عليه، وأنه بات على المشجعين قبول أنه لن يكون هناك احتفال بالنصر. وقال «علي محمد» (20 عاماً)، وهو يشاهد الدقائق النهائية من المباراة، أثناء العمل في متجره بكراتشي، «إنه تاريخ باكستان، لذا فقد كنا مستعدين ذهنياً لتقبل الهزيمة. لكني سأظل دائماً أحب باكستان». وتمثل مثل هذه التعليقات الاعتقاد السائد بين الباكستانيين بأن الأمر ليس سوى مسألة وقت حتى تتمكن بلادهم من أن تماثل أو تتفوق على الهند، سواء في مجال الرياضة أو في ساحة المعركة. ويذكر أن الدولتين لديهما تاريخ مشترك، ومنذ أن انفصلت باكستان المسلمة عن الهند ذات الأغلبية الهندوسية، في عام 1947، كانت باكستان تبذل قصارى جهدها لمواكبة الهند في المجالات العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية. بيد أن هذه الجهود كانت أمراً شاقاً بالنسبة لبلد كافح من أجل السيطرة على التطرف الإسلامي والفساد وهجرة الثروة والمواهب. كما أن نزاع باكستان الذي دام عقوداً مع الهند حول إقليم كشمير عرقل الجهود الرامية لتحقيق الاستقرار في المنطقة. ورغم أن باكستان تتكافأ مع الهند من خلال تطوير السلاح النووي، فإن جيش الهند لا يزال ضعف حجم الجيش الباكستاني. كما أن الهند تفوقت على باكستان في النمو الاقتصادي، حيث يبلغ الناتج المحلي الإجمالي للهند 1,9 تريليون دولار، أي عشرة أضعاف مثيله في باكستان. ورغم ذلك، فإن الكريكيت هي الشيء الوحيد الذي يجعل مثل هذه الاختلافات غير ذات أهمية، على الأقل أثناء المباريات. وفي 1987، حصل مصطلح «دبلوماسية الكريكيت» على شعبية عندما قام الحاكم العسكري آنذاك في باكستان، محمد ضياء الحق، بزيارة مفاجئة إلى الهند لمشاهدة مباراة الكريكيت مع رئيس وزراء الهند راجيف غاندي. وفي 2005، زار الرئيس الباكستاني في ذلك الوقت، برويز مشرف، الهند لمشاهدة مباراة الكريكيت. ويوم الجمعة، حاول رئيس وزراء الهند «ناريندرا مودي» إحياء هذا التقليد عبر الاتصال بنظيره الباكستاني «نواز شريف» متمنياً للفريق الباكستاني حظاً موفقاً. بيد أن هذه النية الطيبة لم تدم طويلاً. ففي يوم السبت أصدرت حكومة «شريف» بياناً مقتضباً تتهم فيه الهند بانتهاك اتفاق طويل الأمد وإطلاق النار بشكل غير مبرر لتقتل مدنياً باكستانياً على الحدود. هذه التطورات بمثابة تذكير لنا بأن مباريات الكريكيت بين الهند وباكستان ربما تمثل أكثر من منافسة ودية. ويرى «رسول بخش ريس»، أستاذ العلوم السياسية بجامعة لاهور، أنها «تعبير ثقافي عن الخلاف بين البلدين. إن هذا متأصل جداً في الاتجاهات التاريخية.. هناك شعور بأننا يجب ألا نهان من الطرف الآخر». ومنذ عام 1978، عندما تم استئناف مباريات الكريكيت بين الدولتين بعد انقطاع طويل، كانت باكستان تمتلك سجلاً قوياً أمام الهند، لتفوز بـ72 مباراة من إجمالي 127. ورغم فوز باكستان بكأس العالم لعام 1992، فإن الهند كانت تفوز عليها في كل مباراة بينهما. وكان فوز الفريق الباكستاني هذا العام سيمثل دفعة معنوية قوية للبلد الذي أرهقته الهجمات الإرهابية، ومنها مذبحة ديسمبر في مدرسة ببيشاور التي راح ضحيتها أكثر من 150 طالباً ومعلماً. --------- تيم كريج، محلل سياسي أميركي --------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»