في أدبيات الحرب العالمية الأولى، والتي حلت ذكراها المئوية العام الماضي، عادة ما يتم التركيز على الجبهات الغربية للحرب والمواجهات الممهدة بين القوى الأوروبية، لكن المؤرخ يوجين روجان، مدير مركز الشرق الأوسط بجامعة أوكسفورد البريطانية، يطرح تصوراً آخر في كتابه «سقوط العثمانيين.. الحرب العظمى في الشرق الأوسط»، ساعياً إلى نقل جبهات القتال المنتشرة على امتداد رقعة الشرق الأوسط. فمع أن التسمية لم تكن موجودة في ذلك الوقت، للمنطقة بدولها وخرائطها التي تبلورت لاحقاً كجزء من التداعيات السياسية للحرب العالمية الأولى. إلا أن الكاتب يصر على نقل لوحة عامة عن المعارك في كل الجبهات التي فتحت في الشرق، ما يجعل من عمل المؤرخ صعباً وشاقاً، فخلافاً للجبهات الأوروبية التي كانت ثابتة ومحددة بين الدول والقوى الأوروبية الصاعدة، والأخرى الآفلة، كانت ساحة الشرق متحركة كرمال صحاريها الملتهبة بين الولايات العثمانية المختلفة، فبعدما أخفق الغرب في الاستيلاء على إسطنبول في معركة جاليبولي الشهيرة التي استمات فيها الأتراك وأبلوا بلاءً بطولياً تحت قيادة كمال أتاتورك، اتجهت الجيوش البريطانية إلى العراق، وحاولت غزو بغداد في 2014 لتنتهي، حسب الكاتب، باستسلام القوات البريطانية في كوت العمارة. هذه الجبهة المتحركة للحرب العالمية الأولى في الشرق الأوسط لم تنحصر في الأناضول ومحاولات القوات البريطانية والفرنسية اختراق العمق التركي للالتفاف على القوات الألمانية وتقديم المساعدة لروسيا القيصرية في حربها ضد الإمبراطورية البروسية، بل انتقلت إلى جبهات أخرى كانت أهمها فلسطين، ذلك أن الجنود البريطانيين، أو ما تبقى منهم بعد معارك الدردنيل التي قتل فيها 50 ألف جندي بريطاني، عادوا ليدخلوا في مواجهات مع القوات العثمانية في شرق المتوسط. وفي كل هذه التحركات، يقول الكاتب، كانت بريطانيا التي برزت باعتبارها القوة الأساسية المقررة لمصير الشرق، ظهرت مجموعة من الدوافع والأهداف الاستراتيجية، كان أهمها النفط الذي احتل موقعاً مركزياً، حيث أحكمت بريطانيا قبضتها على الخليج العربي وبلاد فارس في السنوات الأولى للقرن العشرين بسبب الانتقال من الفحم الحجري في الصناعة والنقل إلى النفط. وفي هذا السياق شيدت «شركة النفط الإنجليزية الفارسية» مصفاة ضخمة في موقع عبدان الإيراني عام 1912، ثم كان الغزو البريطاني للبصرة أول الصراعات المتمحورة حول البترول. لكن النفط لم يكن العامل الوحيد لتأجيج ديناميات الحرب العالمية الأولى على الجبهة الشرقية، بل أضاف إليها الكاتب مسألة سياسية تتعلق بالعلاقة بين بريطانيا والنخب الحاكمة، حيث سعت للتحالف معها والاستفادة منها. هذه السياسة بدأت في مصر التي دخلتها القوات البريطانية عام 1882، حيث سعى البريطانيون إلى إيهام العثمانيين بأنهم طالما ظلوا بعيدين عن الحرب فإن ولايتهم المصرية ستظل تحت قبضتهم، والحال أن الأيادي البريطانية والتدخل في السيادة المصرية كان واضحاً، وقد تبدت بعد الانخراط العثماني في الحرب العالمية الأولى ووقوف الأتراك إلى جانب ألمانيا من خلال تعديل البريطانيين للدستور المصري والإطاحة بالخديوي عباس الثاني الذي كان في زيارة لإسطنبول لينصب مكانه عمه، حسين كامل. وهي الخطوة التي طوت بريطانيا بموجبها أربعة قرون من الحكم العثماني لمصر، ليضمنوا لأنفسهم النفوذ والسيطرة. غير أن الحرب العالمية الأولى التي وجد الشرق الأوسط نفسه منغمساً في أتونها، لم يقتصر تأثيرها على القوى والنخب، بل امتد إلى الشعوب والجانب الاجتماعي، إذ تعرفت المنطقة على التكنولوجيات الجديدة، مثل الكهرباء والسيارات والطائرات. وعلاوة على المعاناة التي قاساها سكان المنطقة، مثل التجنيد الإجباري، فقد ضربت المجاعة مناطق مثل سوريا، وذلك بسبب الحصار الخانق الذي فرضته القوات الفرنسية والبريطانية على السواحل السورية. كما حدثت المجزرة الأرمينية التي كانت إحدى النتائج المباشرة للحرب العالمية الأولى وتأثيراتها الممتدة على الشرق الأوسط. زهير الكساب الكتاب: سقوط العثمانيين: الحرب العظمى في الشرق الأوسط المؤلف: يوجين روجان الناشر: آلان لين تاريخ النشر: 2015