يقول الحكيم الصيني كونفشيوس عن صديقه تشي وين تزو : إنه يفكر دائماً ثلاث مرات قبل أن يُقدم على أمر ما · مرّتان تكفيان· مراجعة تاريخ صناعة الفضاء في الصين تبين أن الصينيين فكروا مرتين بالموضوع· المرة الأولى عندما اخترعوا الصواريخ في القرن السادس عشر الميلادي، والثانية حين شرعوا في السبعينيات من القرن الماضي ببرنامجهم الفضائي· وأخيراً أقدموا على إطلاق أول مركبة فضاء صينية الصنع تحمل رائد فضاء صينيا، أو كما يسمونه بالصينية تايكونوت · ويبرهن إطلاق المركبة التي سماها الصينيون شينزو-5 على أن تكنولوجيا الفضاء ليست ملكاً للدول الغنية وحدها· و شينزو-5 ، التي تعني المركبة المقدسة خامس مركبة في مسلسل مركبات تطلقها الصين، كانت الرابعة منها قد حلّقت بنجاح في ديسمبر الماضي حول الكرة الأرضية سبع مرات· هذه المركبات، في تقدير جون لوجسن مدير معهد سياسات الفضاء في جامعة جورج واشنطن ثمرة قرار حصيف اتُخذ قبل نحو عشر سنوات، وهي تمثل برنامجاً واسع النطاق تابعته الصين بعناية فائقة جداً وبتأن·
وهنا كما يقول الحكيم كونفشيوس التعلم دون تفكير لا نفع منه· التفكير دون تعلم خطر · التعلم المتفكر عبّر عنه الصينيون بالقول إن خطوتهم الصغيرة هذه ستليها خطوات عملاقة· الإشارة واضحة إلى العبارة المشهورة لرائد الفضاء الأميركي نيل أرمسترونج عندما وضع أول خطوة بشرية على سطح القمر هذه خطوة صغيرة لفرد واحد وخطوة عملاقة للبشرية · مركبة شينزو-5 خطوة في الطريق إلى إرسال مركبة مأهولة إلى القمر عام ،2010 وهي طريق مختلفة عن طريق الأميركيين، الذين أهدروا في رأي الصينيين طاقة كبيرة وثروة طائلة في برامج المكوك الفضائي الخطرة والمعقدة· وفي المقارنة بالتجربة الأميركية في الهبوط على سطح القمر عام ،1969 يقول الصينيون إنهم سيفعلون أكثر من مجرد وضع رايتهم على سطح القمر والتقاط صخوره· المواد الخام والطاقة على رأس أهداف مشروعهم للهبوط على سطح القمر الغني بالمعادن ونظائر الهليوم-3 التي يتوقع أن تكون مصدراً مهماً للطاقة النظيفة· ويمتد طموحهم إلى إنشاء تلسكوب فضائي على غرار هابل الأميركي، وبناء محطة فضاء منافسة للمحطة العالمية الحالية·
وفي العلم، كما يقول المدير العلمي لبرنامج المركبة الصينية ليس هناك سوى الرقم واحد، ولا وجود للرقم 2 · وقد توقع المراقبون بالمناسبة أن تطلق المبادرة الصينية سباق فضاء عالميا جديدا· وهذه توقعات متأخرة· فالسباق قد بدأ منذ فرضت الولايات المتحدة الحظر على الأسلحة للصين عام 1999 واستهدفت به صناعة إطلاق الأقمار الاصطناعية التي تشكل مورداً مالياً مهماً لبرنامج الصين الفضائي· يشمل الحظر، الذي أضر بصناعة الإطلاق الصينية أي قمر اصطناعي يتضمن حتى أضأل المكونات الصناعية كشرائح الكومبيوتر· ولم تُستدع الصين على رغم كونها القوة الفضائية الثالثة للانضمام إلى 16 دولة تشارك في محطة الفضاء العالمية· وذهبت الولايات المتحدة إلى حد حرمان علماء الفضاء الصينيين من سمة الدخول لزيارة المؤتمر الدولي للفضاء، الذي عُقد في هيوستن العام الماضي· والمفارقة أن الولايات المتحدة دعمت بشكل غير مقصود جهود الصين الفضائية قبل 50 سنة· فمهندس الفضاء الصيني كويان خويسن ، الذي طردته الولايات المتحدة بتهمة الشيوعية من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا خلال الفترة المكارثية، هو الذي صمم أول الصواريخ الصينية· وقاد خويسن إطلاق أول قمر عام ،1970 ما يزال يدور في الفضاء حتى الآن، مردداً نشيد الشرق أحمر ، الذي وضع كلماته الزعيم الصيني ماوتسي تونج ·
وقد ركزت أجهزة الإعلام الغربية على انتقاد كلفة المبادرة الفضائية الصينية التي بلغت مليار دولار، كان الأجدى، حسب تقديرهم أن تنفقها الصين، وهي ما تزال دولة نامية على تحسين معيشة سكانها، الذين يزيد عددهم على مليار و300 مليون نسمة· ولاحظ مراقبون غربيون أن موازنة الفضاء الصينية تبلـغ 3 مليارات دولار، وهذا أقل من خُمس الموازنة الأميركية، لكنه يعادل عشر مرات الإنفاق الحالي لروسيا على برنامجها الفضائي المتهالك· وحذر المراقبون الغربيون النظام الشيوعي في الصين من مصير مماثل للاتحاد السوفييتي، الذي لم تنقذه انتصاراته الفضائية الباهرة من الانهيار· ويمكن القول هنا إن الانتقادات الغربية وليدة التفكير مرة واحدة· فالصين، العملاق الغافي، الذي حذر الإمبراطور نابليون بونابرت من إيقاظه استيقظ منذ نصف قرن، وفكر مرتين قبل أن يمد خطواته العملاقة في الفضاء وعلى الأرض وعبر البحار·
وفي هذا أيضاً تتبع الصين نصيحة الحكيم كونفشيوس : ادرس الماضي إذا كنت تقدس المستقبل · فأول خطواتها العملاقة نحو المستقبل انطلقت من الماضي· ماضي الصين مرتبط بطريق الحرير الممتد عبر الكتلة البرية الآسيوية الأوروبية المترامية الأطراف ما بين محيطات العالم الثلاثة، الهادي والهندي والأطلسي· سكك الحديد التي شرعت الصين ببنائها منذ نحو عشر سنوات تربط هونج كونج على بحر الصين بـ عبادان على الخليج العربي، و شانجهاي على الب