لابد أنه قد لفتت انتباه الكثيرين، حالة الصمت التي أعقبت حادث «شارلي إبدو»، مع توقف الضجيج الإعلامي والسياسي حوله، بينما يقع الالتفاف حول الحكومة الفرنسية التي تنتقل بسرعة إلى «ملاحقة» الإرهاب في مناطق أخرى. ومن الطبيعي أن تشغل الأحداث الإرهابية الدول والسياسات والمجتمعات، ومن ثم تصبح جزءاً من الظواهر السياسية، مثل الانتخابات أو الانقلابات أو الاضطرابات الاجتماعية... إلخ! لكن يبقى السؤال خاصاً بمدى المعالجة الحقيقية، سياسية أو أخلاقية أو اجتماعية، لهذه الظاهرة الخطيرة التى تصبح بها الجماعات الإرهابية، المنظمة والمنتشرة في كافة القارات والمجتمعات، معولمة، ويتوفر لها الغطاء الثقافي دائماً! وتتوفر «مافيا الإرهاب» على تقنيات متفوقة، تدخل في خدمة قوى متنوعة الأغراض، مثل سيطرة الشركات العابرة للقارات ومنافساتها، أو النفوذ السياسي على منطقة أو أخرى. وهذا ما تقدمه لنا معظم «الحالات الإرهابية»، من أفغانستان إلى الصومال، ومن المشرق العربي إلى مالي ونيجيريا. وكما تستغل الدول الكبرى ومصالحها الأمنية كل ذلك لإثارة الاضطراب أو «الفوضى الخلاقة» لأغراض اقتصادية وسياسية حقيقية، فإن نظماً محلية أو إقليمية تستغلها أيضاً لأغراض مختلفة. فإثيوبيا تستفيد من أوضاع الصومال للتوسع فيه وصولا إلى موانئ المحيط الهندي (بربره – جيبوتي... إلخ). والعسكريون في نيجيريا يستفيدون من استمرار «بوكو حرام» في تجارة السلاح أو السيطرة على الحكم، ومثل ذلك حالات الشرق الأوسط في سوريا والسودان واليمن وغيرها. ومن المدهش أننا لم نعد نسمع ضجيجاً في أوربا حول «شارلى إبدو»، رغم التجمع السياسي الذى أقامته السلطات الفرنسية ضد الإرهاب في عاصمة الأنوار، لكن من دون إجراء واحد لمعالجة الإرهاب وأصوله ومبرراته على الأرض الفرنسية! لقد أصبح من المؤكد أن الظاهرة الإرهابية تحتاج إلى بيع وترويج السلاح وتدريب الميليشيات، وهو ما يحدث في المشرق العربي والصحراء الكبرى، والشمال الأفريقي! ويبدو أن الاستثمار السياسي للحالات الإرهابية، يمتد يوماً بعد آخر عبر تفاعلات متنوعة في كل المناطق. فالحديث عن معالجة حالات الإرهاب واستثماره في مناطق «الجنوب» أو العالم الثالث، يعالج الكثير من الشقوق في معسكر الشمال، أي مشاكل الغرب فيما يخص أوكرانيا والموقف من البرنامج النووى الإيراني، علاوة على ما يبدو عودةً للاقتراب الهادئ من قوى الإسلام السياسي في المشرق. وقد شاهدنا حالة «التفاوض» التي يدفع إليها الغرب في سوريا واليمن وليبيا.. وكل ذلك في أجواء صفقات لا تهدأ. أين الإسلام السياسي إذن في كل ذلك؟ بل وأين الدين والصراع الحضاري المنوه عنه في أولى طلعات «المجاهدين» إلى أفغانستان في السبعينيات والثمانينيات؟ لا أحد يسمع بذلك الآن. هناك فقط عصف ذهني أوروبي حول تنظيم «داعش». ولأن الإرهاب أصبح مافيا عالمية منظمة وذات أهداف معروفة، فقد تطورت المسميات المحلية لـ«القاعدة»، لتظهر التسمية الجديدة «داعش» كماركة عالمية موحدة! لكن مصدر الاستثمار بات إقليمياً وعالمياً بالطبع! أصحاب «الإسلام السياسي» أيضاً استَثمروا واستُثمروا طوال الوقت باسم الدين، فانتهى بهم الحال إلى جيوب صغيرة في بلاد متنوعة من الأناضول إلى جنوب البحر الأحمر، يلهثون بحثاً عن السلطة أو لنيل أداة أخرى. ولا يذكر أحد الآن في كل المعارك الجارية، مسألة الدين ولا «الصحوة الإسلامية»، الاسم الأصلي للإسلام السياسي، ولا الحوار الحضاري.. وإنما هناك استثمار عالمي لمعارك باسم الدين، واستثمار في أكثر من دولة للظاهرة الإرهابية –الملتحفة بالدين- إما لإعلان الجهاد عند المقاتلين، أو لفرض الاستبداد السياسي وقهر الشعوب عند أصحاب الإسلام السياسي! كنا نتوقع –بحسن نية غير خافية– أن يكون هدف القوى الإسلامية والمسيحية على السواء هو التنوير العقلاني لفهم الظواهر الدينية، وليس حتى فكرة «التجديد» التى ستعود بنا للزعم بأنها بحث عن الأصول، فنقع في شباك الأصولية والصراع مرة أخرى. نريد التوقف أمام هذه الصراعات، لوقف الاستثمار السياسي للدين، حتى لا يتحول إلى استثمار سياسي للإرهاب أو ضده باسم الدين.. أى لابد من خطاب سياسي مدني جديد للقوى الإسلامية والمسيحية على السواء، تتحول به إلى قوى وطنية مدنية –إن شاءت– بديلا لدور الغطاء‏? ?السياسي? ?للإرهاب.