أضيف اليمن ومعه مضيق باب المندب الاستراتيجي إلى قائمة المخاطر التي يتعرض لها الوطن العربي من جراء المشروع الإقليمي الإيراني الهادف إلى الهيمنة على الوطن العربي، وتتعدد الآن قضايا الاشتباك بين المشروع الإيراني والأمن القومي العربي من الجزر الإماراتية المحتلة إلى التدخل السياسي في البحرين من حين لآخر إلى النفوذ الفعلي في كل من سوريا من خلال نظام حكمها ولبنان بفعل «حزب الله» والعراق بعد الغزو الأميركي وأخيراً اليمن بعد التطورات الأخيرة التي قفز الحوثيون بموجبها إلى قمة السلطة. وقد تباهى مؤخراً أحد الساسة الإيرانيين بأن بلاده صارت ذات نفوذ في أربع عواصم عربية، وليس هذا هو المكان المناسب الآن لمناقشة هذه المقولة غير أن صعود الحوثيين مؤخراً إلى قمة السلطة في اليمن يحتاج وقفة من المنظور الإستراتيجي بالنظر إلى إشراف اليمن على مضيق باب المندب الاستراتيجي وأهمية هذا المضيق سواء من الناحية التجارية وخاصة التجارة الدولية للنفط، أو من الناحية العسكرية بالنسبة للسيطرة على البحر الأحمر، وقد فعلتها القوات البحرية المصرية في حرب أكتوبر 1973 بالتنسيق مع السلطات اليمنية فأغلقت المضيق في وجه الملاحة الإسرائيلية مما كان له أكبر الأثر في سير المعارك الحربية. والآن يتزايد الحديث عن الخطر الإيراني على المضيق طالما أن «أنصار الله» هم في الوقت نفسه «أتباع إيران» إلى حد الإشارة إلى احتمالات تدخل عسكري مصري- سعودي لدرء هذا الخطر، وهو ما يحتاج إمعاناً للنظر. لاشك أن احتمالات الخطر الجسيم على أمن البحر الأحمر من جراء سيطرة قوة سياسية موالية لإيران على اليمن قائمة، غير أن المنطق يفضي إلى أن هذه الاحتمالات ليست لبعد نظر حوثي أو إيراني ولكن لأن القضمة اليمنية الهائلة التي يحاول الحوثيون ابتلاعها ما زالت محشورة في حلوقهم فإن ابتلعوها ستستعصي ولو لبعض الوقت على قدرتهم على الهضم، وليس هذا تهويناً من الخطر الحوثي الإيراني على باب المندب ولكنه يعني أنه ما زال أمامنا بعض الوقت للتفكير وحسن التدبير، ذلك أن السيناريو المرجح للأحداث بالنظر إلى ما يبدو حتى الآن من حماقة حوثية أن اليمن في طريقه إلى عدم استقرار مزمن بل وربما احتمالات حقيقية للتفكك لا قدر الله. وفي هذه الظروف لا يمكن أن تصل الغفلة بإيران والحوثيين إلى حد فتح جبهة جديدة عربية ودولية تواجههم في حسم لأن مصالح الدول العربية المطلة على البحر الأحمر على الأقل ومصالح قوى دولية عظمى وكبرى ستكون مهددة، ولكن سيناريو استكمال سيطرتهم على اليمن بغض النظر عن التحديات التي ستواجههم يبقى مطروحاً ومتطلباً للتفكير في بدائل الحركة المتاحة للدول العربية وبالذات صاحبة المصلحة المباشرة في تأمين البحر الأحمر. وأول ما يقفز إلى الذهن في هذا الصدد هو التدخل العسكري لتأمين تدفق الملاحة في البحر الأحمر عبر باب المندب ومع ذلك فإنه ينبغي أن يكون آخر البدائل لأنه يعني احتمالات حرب إقليمية حقيقية ذات تكلفة باهظة بحيث لا يكون اللجوء إليها إلا الملاذ الأخير وهو ما ينبغي التحسب له من الآن والتفكير في شروط ومتطلبات تكوين تحالف دولي وعربي انتظاراً للحظة يكون التدخل العسكري فيها حتمياً. وقبل التدخل العسكري يجب أن تستنفد بدائل أخرى أهمها البدائل السياسية، فهناك أولاً أن جهداً عربياً فاعلاً مطلوب للتوصل إلى تسوية سياسية للوضع في اليمن لا يحتل فيها الحوثيون إلا مكانهم الطبيعي المبني على وزنهم السياسي الحقيقي في اليمن، وبالنظر إلى ردود الفعل العربية غير الكافية حتى الآن لإحداث تأثير حقيقي على الأوضاع في اليمن فإن هذا البديل لا يمكن أن ينجح دون مساهمة أساسية فاعلة من الشعب اليمني ذاته، لأن هذه المساهمة هي المدخل الأساسي لإقناع الحوثيين بأنه لا قبل لهم بالهيمنة التامة على اليمن. وفي هذا الإطار يمكن للدول العربية الأكثر تضرراً بالأحداث الأخيرة في اليمن أن تساعد بشتى السبل القوى السياسية اليمنية التي تتوسم فيها القدرة على التأثير في الاتجاه الصحيح، وكذلك فإنه من الضروري أن يكون للجامعة العربية تحركها المدروس والفاعل بخصوص الأوضاع في اليمن، ومن حسن الحظ أن قمة القاهرة قد اقتربت وستكون دون شك مناسبة مثالية للتخطيط لهذا التحرك.