حتى نفهم مقاربات الرئيس أوباما لأزمات العالم، من العودة إلى العراق جواً وليس براً لمواجهة إرهاب «داعش»، إلى الموقف من الصين وروسيا والانفتاح على إيران وغض النظر عن مشروعها الإقليمي.. علينا أن نقترب ونفهم شخصية أوباما نفسه ومنطلقات فكره. قدّم أوباما في العام الماضي استراتيجية تلخصها عبارته: «ليس لأن أميركا تملك أفضل مطرقة في العالم، ينبغي أن ننظر لأزمات العالم كمسامير؟». وقبلها، إبان قيام التحالف الدولي بقيادة «الناتو» بإسقاط نظام القذافي في ليبيا عام 2011، أطلق مسؤول في إدارة أوباما مصطلح «القيادة من الخلف»، مما أثار الكثير من التساؤلات بين حلفاء واشنطن -وخصومها أيضاً- حول هدف الإدارة من ترك قيادة العمليات العسكرية ضد القذافي للناتو بقيادة فرنسا. أثارت فكرة «القيادة من الخلف» قلق الحلفاء وجرّأت الخصوم، لاقتناعهم بأن الولايات المتحدة تحت قيادة أوباما لن تخوض حروباً طويلة ومعقدة كحربي العراق وأفغانستان، لاسيما أن الرئيس الأميركي كرر عشرات المرات القول بأنه انتخب لإنهاء الحروب وليس لشن حروب جديدة، ما يعني أنه لا حروب أميركية في الأفق بوجود أوباما في البيت الأبيض، مما طمأن خصوم أميركا ودفعهم للتجرؤ واستغلال نقاط الضعف ضمن العقيدة الأميركية الجديدة، وأقلق في الوقت ذاته حلفاء أميركا الذين ساورتهم الشكوك في جدوى الاعتماد على إدارة أوباما؟ وتكرر الموقف الأميركي المتراخي من بشار الأسد وبوتين والصين و«القاعدة» و«داعش» والحوثيين.. وغيرهم من دول وتنظيمات. ومن ثمار ذلك التراخي التقارب الأميركي الإيراني على حساب التحالف التقليدي بين واشنطن وحلفائها الخليجيين، وتجرؤ روسيا على احتلال شبه جزيرة القرم ودعم المتمردين الانفصاليين في شرق أوكرانيا. وبينما كانت مفاوضات مينسك الأسبوع الماضي قائمة بين بوتين وزعماء فرنسا وألمانيا وأوكرانيا للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في شرق أوكرانيا، كان بوتين يرسل دباباته للشرق الأوكراني. ولا يمكن تفسير سلوك الصين حيال جيرانها، خاصة اليابان وفيتنام والفلبين، وتجارب صواريخ كوريا الشمالية.. إلا كامتحان لعزيمة وزعامة الولايات المتحدة واستراتيجية الرئيس أوباما، بل كاستخفاف بالموقف الأميركي والأوروبي معاً. أصدر البيت الأبيض استراتيجيته الجديدة في 29 صفحة مطلع فبراير الجاري، بعنوان عقيدة «الصبر الاستراتيجي»، تنقيحاً لعقيدة أوباما القديمة حول «رفع اليد» و«القيادة من الخلف». استراتيجية «الصبر الاستراتيجي» ترفض «التمدد والاستنزاف في السياسية الخارجية وفي التعامل مع أزمات العالم ومشاكله، كما الحال في التعامل مع تهديد داعش والتطرف والحرب على الإرهاب». الاستراتيجية المنقحة تقدم خريطة طريق للتعامل مع أزمات العالم خلال العامين المتبقيين لأوباما في البيت الأبيض، وتؤكد «دفاع الولايات المتحدة دائماً عن مصالحها واحترام التزاماتها لحلفائها وشركائها، وأنه عليها اتخاذ قراراتها بناءً على الأولويات دون أن تُستنزف، ودون التأثر بالمخاوف، وأن الاستراتيجية الذكية للأمن القومي الأميركي هي تلك التي لا تعتمد على استخدام القوة العسكرية لوحدها». وترفض استراتيجية «الصبر الاستراتيجي» خوض حرب برية طويلة ومكلفة. ولم يكن مفاجئاً رفض أوباما مشاركة قوات أميركية برية ضد تنظيم «داعش» في العراق وسوريا. وقد أتى طلبه في الأسبوع الماضي «تفويض استخدام القوة» ضد «داعش»، خالياً من أي ذكر لمشاركة قوات برية أميركية، تاركاً ذلك للقوات المحلية العراقية والكردية، بينما ستشارك القوات الأميركية في عمليات الإسناد والعمليات الخاصة والإنقاذ، ضمن مواجهة الإرهاب بالشراكة مع الحلفاء. لكن سرعان ما اُنتقدت تلك الاستراتيجية من صقور الجمهوريين في الكونجرس، وحتى من بعض أعضاء حزب الرئيس نفسه، بل وُصفت بأنها ترجمة لضعف وتردد الولايات المتحدة وتخليها عن دور الزعامة على المسرح الدولي. فهي استراتيجية تسمح لبشار الأسد وبوتين وغيرهما بامتحان التردد الأميركي. لّخص أحد صقور الجمهوريين، وهو السيناتور ليندسي جراهام، الموقف من تلك الاستراتيجية: «أشك أن تنظيم داعش وملالي إيران وبوتين سترهبهم استراتيجية الصبر الاستراتيجي. من وجهة نظرهم، كلما مارس الرئيس أوباما الصبر، ازدادوا قوة». وقد أوضح وزير الدفاع الأميركي السابق تشاك هاجل أن «الصبر الاستراتيجي» «تمزج بين مصادر قوتنا الاقتصادية والدبلوماسية وقيمنا وقوتنا الصلبة العسكرية». لكن مشكلة هذه الاستراتجية أنها لا تخيف خصوم أميركا، بل يفسرونها كما يفسرها خصوم أوباما الجمهوريين كترجمة للتردد والضعف وفقدان الزعامة. ولا تريح الاستراتيجية حلفاء أميركا، حيث تزيد من شكوكهم حيال واشنطن وقدرتها على الالتزام بتحالفها الاستراتيجي معهم.