في ساحة ساسين، من منطقة الأشرفية في بيروت، يرتفع على أحد المباني علم لبناني ضخم لا يبعد سوى أمتار عن تمثال بشير الجميل. والأشرفية هي المنطقة المسيحية من بيروت، بألف ولام التعريف. وغالباً ما كان يُضرب بها المثل على ما درجت تسميته «الانعزالية» المسيحية. ولأنها كذلك فإليها، وعلى مدى عقود، تدفق مسيحيون هاربون، لسبب أو آخر، من تركيا والعراق وسوريا ومصر، معتبرين أنهم يقصدون المكان الوحيد في الشرق الذي يسعهم فيه أن يعيشوا مسيحيّتهم ويمارسوها بحرية. هكذا ربطت المسيحيين تقليدياً صلات عاطفية وثيقة برموز الوطنية اللبنانية، كالجيش والنشيد الوطني والعلم. وحين صعد بشير الجميل على رأس إحدى ميليشيات الحرب إلى رئاسة الجمهورية، مدعوماً بالإسرائيليين، وجدوا أن فارس أحلامهم وصل إلى حيث ينبغي أن يصل، قبل أن تنطوي الأحلام سريعاً. والحال أن هذه المشاعر القوية في لبنانيتها لا تُعدم تاريخاً يرقى إلى أواخر القرن التاسع عشر. فآنذاك تمكّن مسيحيو جبل لبنان، بضغط الدول الأوروبية، من انتزاع حكم ذاتي لهم تميزوا به عن باقي أراضي السلطنة العثمانية. وداخل تلك الرقعة نشأت طبقة وسطى ذات أصول فلاحية، مستفيدة من الأفول السياسي لكبار ملاكي الأرض، كما انتشر التعليم بمبادرة الإرساليات الأجنبية ثم بدخول المؤسسات الأهلية ذاك الميدان. وتعزز الولاء المسيحي شبه الصوفي للبنان مع إنشاء الانتداب الفرنسي، في 1920، دولة لبنان الكبير. فالأخير كان فكرة مسيحية أولاً، ثم وجد ما يعززه في رجحان سكاني نسبي جداً، لكنْ في رجحان أكبر مالي واقتصادي وتعليمي. وبالفعل، وعلى مدى عقود، وعلى رغم توترات أهلية كانت أحداث 1958 أهمها، وجد مسيحيو لبنان ما يتباهون به: فقد توسعت الطبقة الوسطى في كيانهم، وأقيم برلمان تمثيلي، وازدهرت صحافة متقدمة كثيراً على جوارها. وفي الخمسينيات والستينيات، مع تدفق الرساميل العربية على لبنان هاربةً من الانقلابات والتأميمات في مصر وسوريا والعراق، أظهرت سنوات الحكم الشهابي أن التركيبة اللبنانية قادرة مبدئياً على إصلاح ذاتها، وعلى توسيع نطاقها إلى مناطق أبعد. لكنْ هنا انتهت قصّة النجاح وبدأ الفصل الأوّل من تردي الوضع المسيحي، بل من تردي لبنان نفسه. فالحرب التي انفجرت في 1975، وكان طرفاها المقاومة الفلسطينية والميليشيات المسيحية، ما لبثت أن تأقلمت وتدوّلت وفتحت «الساحة» اللبنانية لقوى أكبر من قدرة اللبنانيين على التحكم فيها. وبالفعل تناسلت تلك الحرب حروباً، فسجلت، بين ما سجلته، الاجتياح الإسرائيلي في 1982، وتنامي الحضور والتأثير الإيرانيين بعد ثورة 1979، فضلاً عن وقوع معظم لبنان، بقدر من التقطع والتفاوت، في قبضة الوصاية السورية. في هذا المناخ كان يتضافر بُعدان: من جهة، تراجع كثيراً الرجحان العددي للمسيحيين كما تراجع نسبياً نفوذهم المالي وموقعهم في التعليم. ومن جهة أخرى، وبذريعة الاقتصاص من التعامل مع إسرائيل، اتُبعت خطط منهجية لمنع قيام سلطة مركزية في بيروت. ففضلاً عن التقاسم الإسرائيلي- السوري للأرض، والذي استمر حتى 2000، طُردت السلطة، وبطردها طُرد المسيحيون، من ضاحية بيروت الجنوبية وشرق صيدا. وقد استأنفت دمشق نشاطها هذا بعد اتفاق الطائف في 1989، مدمرة الطبقة السياسية المسيحية. وعلى العموم، فبعد الطائف ولد ما بات يُعرف بـ«التهميش المسيحي» الذي كان وجهه الآخر إعطاء واجهة السلطة في لبنان لكلّ من «حزب الله» (المقاومة) ورفيق الحريري (الإعمار)، مع احتفاظ الأمن السوري بمرتكزات السلطة الفعلية. لكنْ مع اغتيال الحريري، ثم قيام حركة 14 آذار قبل عشرة أعوام، تراءى أن المسيحيين بدأوا يتغلبون على تهميشهم وشعورهم بالغربة حيال التركيبة السياسية اللبنانية، وخصوصاً أن القوات السورية غادرت بلدهم. بيد أن الأمل المعقود على 14 آذار بدأ يذوي سريعاً، لاسيما مع انشقاق ميشال عون، ممثلاً أكثرية المسيحيين، عن تلك الحركة والتحاقه بـ«حزب الله»، مقابل التحاق المسيحيين الآخرين بسعد الحريري. والأمر تكرر على نطاق أضعف مع الثورة السورية وموجة «الربيع العربي» عموماً، إذ انعطفت الأمور في اتجاه يعزز أسوأ المخاوف عند الخائفين. هكذا أطلّت حركات «النصرة» و«داعش» وسواهما من القوى المتطرفة والتكفيرية، وراحت الأخبار تتلاحق عن أعمال الطرد والتهجير والاضطهاد التي تنزل بالمسيحيين في عدد من البلدان العربية. وفي مناخ كهذا قويت حجة القائلين بـ«تحالف أقليات» يحتمي بنظام الاستبداد الأسدي في دمشق. في الوقت نفسه، فإنهم يعرفون، كما يعرف سواهم، أن «حزب الله» المتحكم بمسألتي الحرب والسلم، يستطيع أن يفرض عليهم قرارات تتصل بحياتهم وموتهم من دون استشارتهم، بل من دون استشارة أي طرف لبناني آخر. وبينما تتعاظم حركة الهجرة بين شبانهم، ويتنامى انحسارهم عن مناطق «العيش المشترك» خارج جبل لبنان، تصطبغ العواطف المسيحية بحزن عميق على مصائر لبنان، فيما تستقطب الحرب السورية والتعبئة حولها، مع الأسد أو ضده، بمعظم العواطف والطاقات لدى الطوائف الأخرى. هكذا يبقى العَلم الذي يرفرف في ساحة ساسين بالأشرفية محاولة يائسة للإمساك بعالم يندثر.