عبر عدة سنين انتظر العالم عودة الزوج (الولايات المتحدة الأميركية) الى عروســــه التي هجرها (اليونسكو )· ولأننا نعيش زمن انهيار الكبرياء الإنساني وقيم الكرامة ذهب مختلف رموز الادارة في اليونسكو الى واشنطن، وجلسوا في أقفاص الاتهام والمحاكمة بمواجهة أعضاء لجان الكونجرس الأميركي، يستجدون رجوع الزوج ويقدمون تطمينات الزوجة بأنها ستكون في المستقبل مطيعة ومنفذة لكل رغبات وتوجهات وتعليمات الزوج في قضايا التربية والإعلام ومصاريف المنزل وقلة أدب أولاد العالم الثالث·
أذكر أنني عندما كنت عضواً في المجلس التنفيذي لليونسكو أنني عارضت بشدة سياسة الاستجداء وقبول شروط الإذلال وقلت بالحرف الواحد : إن الدول هي التي يجب أن تركض وراء عضوية اليونسكو وليس العكس · لكن للسياسات الدولية حسابات الكباريهات وضباط العلاقات العامة لراقصاتها·
وها إن الزوج قد عاد الى الزوجة في حفلة زفاف غابت عنها أعراف الأديان والارتباط بالمعروف وحلت محلها خطوات الهيمنة والإذلال· كيف؟ حدثني مسؤول عربي عن ثلاث خطوات جرت إبان اجتماع الجمعية العمومية لليونسكو الأخيرة·
فأولاً: على رغم أن قرار العودة أعلن قبل بضعة أيام من انعقاد الجمعية العمومية، وعلى رغم أنه من المعروف أن بعض الدول تطلب إلقاء كلماتها قبل أسابيع وأحياناً قبل شهور، إلاُ أن المتحدث الأول كان مندوب أميركا· هذه الخطوة الرمزية لبناء الهيمنة أريد بها تثبيت التفرد والتميز والحظوة وطزُ عيون الآخرين·
ثانيا:حبكت أزمة بالنسبة لموضوع الأوضاع التعليمية والثقافية للشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الصهيوني· فعبر سنين طويلة اتخذت الجمعيات العمومية السابقة قرارات فيها بعض الإنصاف للشعب الفلسطيني وبعض الانتقادات للممارسات الصهيونية· لكن أميركا أصرت في مشروع القرار الذي عرض على الجمعية العموميـــــة الأخيرة على ألا يشار في الديباجة الى القرارات السابقة، أي نسيان كل ما اتخذ من قرارات سابقة وإرجاع الموضوع الى المربع الأول وفرض رؤى أميركا وإسرائيل · والمفجع في الأمر أن بعض الدول العربية كانت ضمن من وافقوا على المقترح الأميركي- الصهيوني وضمن من دافعوا عنه بحجة عدم شق صفوف الجمعية العمومية وبحجة أن أكل قطعة خبز من صندوق القمامة أفضل من الجوع·
من الذي وقف ودافع بشدة ضد اللغم الأميركي- الصهيوني؟ إنها امراة من افريقيا الجنوبية فاقت في دفاعها المستميت كل فحول العرب الشجعان·
لكن لنقارن هذا الموقف العربي بالموقف الفرنسي عندما حاولت أميركا العبث بميزانية تشجيع تنوع الثقافات في العالم· لقد تدخل الرئيس الفرنسي بنفسه في الموضوع وأفشل الاقتراح الأميركي·
ثالثا:اشترط العريس أنه هو الذي سيقرر كيفية توزيع حصته في ميزانية اليونسكو: أي مشروعات، وأي دول· أما رأي الآخرين في الأولويات وفي عدالة التوزيع فليكتبوه على الورق ثم ليشربوا حبره·
هذه أمثلة من حياة اليونسكو الزوجية الجديدة· إنها لم تتعلم من مآسي حياة الأمم المتحدة الزوجية مع بعض عرسانها عندما اغتصبت الأم في حفلات فولكلورية مسلية وألقي بالجسد العاري في شوارع هذا العالم المنكود· أي مستقبل ينتظر الابنة العروسة الجديدة؟