ــ ــ ـ ــ في تصرف لافت، تراجعت إسرائيل فجأة عن التصعيد مع «حزب الله» اللبناني بعد أن قام رئيس وزرائها بتهديده بأنه سيحدث له السيناريو نفسه الذي حدث في قطاع غزة، وراح ضحيته عدد كبير من القتلى والجرحى. هذا التصرف له دلالات حول قدرة إسرائيل تجاه القوى غير النظامية في الدول العربية كـ«حزب الله» و«حماس» وغيرها، فرغم أن إسرائيل فقدت اثنين من جنودها قتلى، وجرح منهم سبعة في هجوم شنه «حزب الله» على دورية إسرائيلية في منطقة مزارع شبعا، إلا أن الرد الإسرائيلي العنيف الذي تعودت عليه في فلسطين وجنوب لبنان والجولان السورية عندما يتعرض جنودها للقتل لم يحدث هذه المرة. واكتفى رئيس الوزراء الإسرائيلي بالتهديد والوعيد، ثم تراجع والتزم التهدئة عبر رسائل رمزية متبادلة مع «حزب الله»، فماذا يعني ذلك؟ بقراءة الوضع الإسرائيلي فيما يتعلق بمسألة الردع، يلاحظ أنه منذ عام 2006 لم يعد فعالاً تجاه المجموعات المقاتلة غير النظامية، خاصة تلك التي تعتبر مبعثرة وليست شديدة المركزية. وجدير بالذكر، أن مثل هذه التنظيمات القتالية غير النظامية غير الخاضعة لسلطة الدولة، تنتعش في البيئات التي تكون فيها سلطة الدولة المركزية ضعيفة، كما هو الأمر بالنسبة لـ«حزب الله» في لبنان و«حماس» في أراضي السلطة الفلسطينية و«طالبان» في أفغانستان و«داعش» في سوريا والعراق. وهذا الأمر أكثر ما ينضج في حالتي لبنان وفلسطين، فضعف أو إضعاف السلطة المركزية والأجهزة الأمنية الخاصة بهما جعل المجال متاحاً أمام «حزب الله» و«حماس»، كي ينتعشا ويستقوا على السلطة المركزية ويحرجا إسرائيل في كثير من المواقف من خلال العمليات القتالية، التي ينفذانها ولا تستطيع إسرائيل الرد عليها بوسائل وطرق وأساليب واضحة أو فعالة تحقق من خلالها أهدافها. وبشكل خاص، عندما ركزت إسرائيل على الانتقاص من مؤسسات السلطة الفلسطينية في عهد كل من محمود عباس ومن قبله ياسر عرفات في أعقاب انهيار كل جولة من جولات المفاوضات التي تجري معها، فهذا عادة ما يُعتبر سبباً مهماً لنمو القوة العسكرية والقتالية لـ«حماس» والمنظمات المقاتلة غير النظامية الأخرى. وعلى المنوال نفسه، يعتبر عدم استقرار السلطة المركزية في لبنان وعدم وجود قوات أمن لبنانية مركزية قادرة على حماية مصالح الدولة اللبنانية، سبباً مباشراً لاستقواء «حزب الله» على الدولة، وتكوينه قدرات عسكرية تقاتل في سوريا، وتنتقص من قدرات الردع الإسرائيلية التي كانت تستخدمها إسرائيل عصى غليظة ضد كل من يحاول أن يتعرض لجيشها أو مواطنيها أو حدودها أو مصالحها بشكل عام. إن تراجع إسرائيل هذه المرة يأتي على غير العادة، فقد درج المشهد العسكري والسياسي في المنطقة على رؤية إسرائيل وهي مؤمنة بأنه في نهاية المطاف عندما تدخل إسرائيل في أية مواجهة قتالية ساخنة مع أي طرف من الدول المحيطة بها أو دول الإقليم بشكل عام، فإن ذلك يقوي من قدرات تل أبيب على الردع ضد جميع التهديدات الناشئة ليس لبنان فقط، ولكن جميع دول المنطقة. لكن التراجع الإسرائيلي الأخير سيخلق نقاشاً مستفيضاً ومطولاً حول حالة قدرات الردع الإسرائيلية الحالية. من الواضح أن الردع الفعّال يعتمد على عاملين مهمين: الأول هو بنية الكيان المراد ردعه، والثاني هو التصور بأن مكونات ذلك الكيان ستظل متماسكة أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية. وباختصار، فإن عدم الاستقرار في دولة مستهدفة هو العدو الأول لأي ردع فعّال، وبالنظر إلى المسألة من هذه الزاوية، فإن الأدلة المتلاحقة حول تزايد الانشقاقات في الداخل اللبناني أو الفلسطيني، ليست بالضرورة أن تشكل أخباراً سارة لفعالية وكفاءة الردع الإسرائيلي، فقد تكون عكس ذلك تماماً.