حسن ولد المختار مع إعطاء الناخبين اليونانيين، في استحقاق نهاية الأسبوع الماضي، أعلى نتيجة تصويت لحزب «سيريزا» اليساري وزعيمه «ألكسيس تسيبراس»، وتشكيل هذا الأخير الحكومة الجديدة في أثينا، سرَت في عموم القارة الأوروبية موجة قلق وتوجس عارمة بحكم المخاوف الواسعة التي أثارتها خطابة زعيم اليسار اليوناني المتشدد الشاب، الآتي بتوجهاته الشيوعية الشعبوية، ورفضه إبقاء المارد اليوناني حبيساً في قمقم الشروط التي أملتها عليه ألمانيا- ميركل، وصندوق النقد الدولي، والبنك المركزي الأوروبي، ضمن استحقاقات برامج الإنقاذ المالي التي استفادت منها اليونان خلال العامين الماضيين، ولولاها لكانت أشهرت إفلاسها، أو وجدت نفسها خارج منطقة «اليورو»، وربما أيضاً خارج البيت الأوروبي نفسه. والحال أن توجهات رئيس الحكومة اليونانية الجديد ألكسيس تسيبراس تجعله نقيضاً في كل شيء تقريباً لتوجهات بعض الزعامات الأوروبية النافذة، خاصة المستشارة الألمانية، كما أن نزعته الشعبوية، معطوفة على النزعة السيادية، وربما الانعزالية، لحلفائه الجدد في الحكومة، كل ذلك يدعو لتوقع ثورة أثينية جديدة على قيود التقشف والوصاية المالية، وقطع الأرزاق التي فرضتها عليها برلين وبروكسل. وهذا الدور «المخلص» و«الثائر المنقذ» هو ما يتوقعه منه الشارع اليوناني اليوم في مواجهة أوروبا، كل أوروبا. ولكن، قبل أي تفصيل، من هو ألكسيس تسيبراس نفسه، الزعيم، و«الثائر»، والإنسان؟ وُلد ألكسيس تسيبراس في العاصمة اليونانية أثينا في 28 يوليو 1974 حيث كان والده مقاول إنشاءات صغيراً، وفيها تلقى تعليمه، إلى أن تخرج مهندساً مدنياً من مدرسة المهندسين الوطنية بأثينا سنة 2000، ليواصل بعد ذلك دراسته العليا في مجال التخطيط الترابي. وفي الوقت نفسه ظل يعمل كمهندس مدني في صناعة الإنشاءات، وأنجز عدة دراسات لمشروعات تطوير في العاصمة اليونانية. وقد بدأت ميول تسيبراس اليسارية الشيوعية تظهر في وقت مبكر من عمره حيث انضم إلى صفوف التيار الشبابي من الحركة الشيوعية اليونانية في نهاية عقد الثمانينيات، وفي بداية التسعينيات حين كان لا يزال تلميذاً في الثانوية، اشتهر في تظاهرات شبيبة اليسار الراديكالي ضد وزير التعليم والشؤون الدينية في اليونان يومذاك «فاسليس كونتوجيانوبولوس»، وقد شهدت تلك الأحداث أول ظهور له كناشط يساري على شاشات التلفزيون، حيث بدأت كاريزميته اليسارية تتصاعد. ومع دخوله الجامعة صار وجهاً بارزاً في صفوف شبيبة التيار الشيوعي اليوناني، وتولى مناصب قيادية في تنظيمات ونقابات الطلاب اليساريين. كما أصبح خلال الفترة ما بين 1995 و1997 عضواً في اللجنة المركزية لاتحاد الطلاب اليونانيين. وأسندت إليه تالياً رئاسة قطاع الشباب في الحزب الشيوعي اليوناني من 1999 إلى 2003. ولعب دوراً بارزاً في تأسيس «المنتدى الاجتماعي اليوناني» المناهض للنيوليبرالية والعولمة، كما نشط على المستوى الدولي في الفعاليات المناهضة للعولمة. وسجل تسيبراس أول ظهور رسمي له على مسرح الحياة السياسية الرسمية على مستوى الاستحقاقات البلدية في انتخابات 2006 حين ترشح على لوائح العاصمة أثينا ضمن قائمة اليسار المسماة «آنيكتي بوليس» -ومعناها «المدينة المفتوحة»- وتحصل التيار الشيوعي الذي صار اسمه «سيريزا» على نسبة 10,51% من الأصوات. ثم تم انتخابه رئيساً للحزب الشيوعي في 10 فبراير 2008 بعدما قرر زعيمه السابق «آليكوس آلافانوس» عدم الترشح، فكان تسيبراس عند توليه رئاسته في سن 33 سنة فقط، وهي سابقة سياسية حيث لم يتولّ من قبل رئاسة حزب يوناني ممثل في البرلمان شاب في هذه السن. وفي انتخابات 2009 انتخب في البرلمان عن دائرة أثينا الأولى، وتولى رئاسة فريق حزبه البرلماني. وسجل حزب «سيريزا» أفضل أداء له في صناديق الاقتراع خلال انتخابات 6 مايو 2012 حيث حصل على 16,78% من أصوات الناخبين، و52 برلمانياً، من ضمنهم تسيبراس، الذي أعيد انتخابه بنتيجة كبيرة في دائرته الأثينية. ولأن حزبه صار هو ثاني قوة سياسية في البرلمان اليوناني كلفه الرئيس بوبولياس بعد الانتخابات بيومين، بتشكيل حكومة ائتلاف خلال فترة لا تتجاوز 72 ساعة، وهي مهمة أخفق في تحقيقها قبل انقضاء الأجل المرسوم. وفي حملة الانتخابات الأوروبية في 21 مايو 2012 ذرع تسيبراس مختلف العواصم الأوروبية حيث بدأ الاحتكاك الفعلي بينه وبين الواقع السياسي بالغ التعقيد، في باريس وبرلين، وغيرهما من عواصم الدول الكبيرة المؤثرة في الاتحاد. وقد اكتسب خلال هذه الجولة صداقات من بعض قيادات أقصى اليسار في العواصم الأوروبية، كما اكتسب أيضاً بذور عداوات مع زعامات من اليمين واليسار التقليدي الأوروبيين. وفي هذه الفترة تحول «سيريزا» بشكل رسمي إلى حزب وتخلى عن صفة الائتلاف بين أخلاط من قوى اليسار المتطرف كما كان من قبل. وحقق نتائج باهرة في انتخابات يونيو 2012 السابقة لأوانها، حيث تحصل على 26,9% وهو ما مثل تقدماً في نتائجه بنسبة 60%مقارنة بالانتخابات السابقة. وقد لعب دوراً كبيراً في إسقاط حكومة أنطونيس ساماراس في انتخابات 2014 الرئاسية السابقة لأوانها. ولذلك مع مطلع العام الجديد 2015 كان تسيبراس جاهزاً في الموعد للانتخابات حيث حصل حزبه «سيريزا» على 36,3% و149 نائباً برلمانياً من مجموع 300 نائب. ومع أن هذا العدد لا يكفي الحزب لتشكيل حكومة، فقد نجح تسيبراس هذه المرة في بناء تحالف مع حزب «اليونان المستقلة» اليميني السيادي. وبذلك تولى تسيبراس رئاسة الحكومة، حيث جرت مراسم تنصيبه أمام الرئيس اليوناني كارلوس بوبولياس يوم 26 يناير المنصرم، وقد حرص على أن يكون حفل تنصيب مدنياً، بعيداً عن أية مراسم دينية كما هي العادة في اليونان، كما رفض أداء القسم على أي كتاب ديني. وهو في هذا يعبر عن قناعاته الشيوعية، وهي كل شيء بالنسبة له، وحتى زوجته «بريستيرا بازيانا» تعرّف هي أيضاً في صفوف الشبيبة الشيوعية، وارتبط بها على هذا الأساس. وبالنظر إلى هذا المسار الحزبي والسياسي اليساري، يمكن توقع صعوبة تفاهم تسيبراس، مع ميركل، والزعامات الأوروبية الأخرى، ليس فقط بحكم الفارق الجيلي، ولا افتراق اللغة السياسية، وإنما أيضاً لأن الرجل، واليونان من ورائه، لم يعد يمتلك اليوم ما يخسره من أية مواجهة مع أغنياء القارة، سوى نفض القيود الاقتصادية التي كبلت اليونانيين، وجففت مصادر معيشتهم اليومية، ورهنت مستقبل بلدهم للديون لعقود مديدة مقبلة. ولذا يتوقع أن يستمر في رفع قفاز التحدي في وجه الدائنين وشروطهم، ويسعى لتخفيف السياسات التقشفية وأعبائها على الشرائح الشعبية، وسيكون على أوروبا في استجابتها لكل ذلك أن تعرف أن لحظة دفع ثمن قبول عضوية اليونان قد أزفت، مع أنها لم تكن مستكملة أصلاً شروط العضوية، وقدمت لها بيانات مغشوشة، عن عام 1999. ولكن ها هو عام 2015 يحمل معه لحظة الحقيقة، بحكومة من الأكاديميين من خارج الطبقة السياسية، وزعيم شاب يتحدث لغة الأحلام الثورية، وذي نزعة حمراء، وليست في منطقه أيضاً أية خطوط حمراء. حسن ولد المختار