كثيرة هي الجرائم التي ترتكبها إسرائيل في حق الشعب الفلسطيني في اللحظة الراهنة، ولكن اذا اردنا ترتيبها وفق مدى خطورتها، ينبغي أن نضع الجدار الفاصل أو العازل في المرتبة الأولى، فإذا كانت قوات الاحتلال تجتاح مدنا ومخيمات في الضفة الغربية وقطاع غزة، فهي تفعل ذلك منذ نشوب انتفاضة الاقصى، وفعلته من قبل مرات ومرات· ولكنها تجد دائما استعدادا فلسطينيا للتصدي لهذه الاجتياحات بأشكال مختلفة على رغم الاختلال الهائل في ميزان القوى· وكثيرا ما أبدى قادة وضباط إسرائيليون دهشتهم لقدرة هذا الشعب المثابر على الصمود· واذا كانت قوات الاحتلال تطارد قادة وناشطين فلسطينيين لاغتيالهم أو اعتقالهم، فقد تعودوا على ذلك إلى حد أن هذا الشكل من أشكال القهر أصبح أمرا روتينيا من فرط تكراره·
ولم يحدث، في تاريخ الظاهرة الاستعمارية وحركات التحرر الوطني، أن خضعت حركة مقاومة أو انهارت او استسلمت لأنها فقدت بعض قادتها ومناضليها او حتى كثرة منهم· ويصح هذا الاستنتاج حتى اذا كان المستهدف هو زعيم حركة التحرر ورمزها فقد اعتقلت السلطة العنصرية السابقة في جنوب افريقيا نيلسون مانديلا وغيبته وراء القضبان· ولكن المقاومة التي شارك في اطلاقها وصار رمزا لها استمرت وتصاعدت إلى أن هزمت العنصرية وحررت شعب جنوب أفريقيا منها·
شيء واحد فقط من بين كل ما تفعله إسرائيل الآن يهدد قضية فلسطين في الصميم، وهو ذلك الجدار الذي شرعت في بنائه على طول الضفة الغربية، لأهداف أمنية ظاهريا ولأغراض توسعية في حقيقة الأمر· فهذا الجدار هو الخطر الأكبر على قضية فلسطين في المرحلة الراهنة· ووجه الخطر فيه هو أنه يلغى ما يسمى الخط الأخضر الذي يشير إلى حدود 4 يونيو ،1967 إذ يتجه الى الشرق في داخل الضفة الغربية ويقضم أجزاء كبيرة من أراضيها يمكن أن تزيد على نصف مساحتها اذا تمكن ارييل شارون من تنفيذ الخطة التي وضعها حتى الآن·
إنه خطر لا يقارن به ما يترتب على أي من السياسات والاجراءات الإسرائيلية الأخرى ضد الشعب الفلسطيني وقضيته وهذا يفترض اعطاء أولوية متقدمة، بل أسبقية مطلقة، لمواجهته دون ابطاء والتحلي بأكبر قدر من الحكمة في هذه المواجهة· ولكن على رغم وجود وعي فلسطيني، وعربي عام، بحجم الخطر الذي ينطوي عليه الجدار العازل، لا يبدو أنه يحظى بأسبقية· كما أن الجهود المحدودة المبذولة في مواجهته لا تتمتع حتى الآن بالقدر المطلوب من حسن التدبير· وليس أدل على ذلك من الإخفاق في استصدار قرار من مجلس الأمن في الأسبوع الماضي يلزم إسرائيل بوقف بناء الجدار وازالة الجزء الذي يبني بالفعل، ويعتبره اعتداء جديدا على الشعب الفلسطيني ويؤكد أن المجتمع الدولي لا يعترف بأي شكل بسيطرة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية التي تضمها عبر هذا الجدار·
ولابد أن يقول قائل هنا: إن جهود الوفد الفلسطيني، ومعه الوفود العربية لدى الأمم المتحدة، لاستصدار قرار تحطمت على صخرة الفيتو الأميركي· ولكن هذه الوفود كانت تعرف، قبل انعقاد جلسة مجلس الأمن في يوم الثلاثاء من الأسبوع الماضي، أن الوفد الاميركي لن يسمح بتمرير قرار في اتجاه واحد فقط· فالسياسة التي تتبعها واشنطن الآن، في مختلف القضايا المتعلقة بالصراع العربي -الإسرائيلي حين تحال إلى مجلس الأمن، تقوم على ما تسميه توازنا في الموقف وبالتالي في أي قرار يصدر عن مجلس الأمن·
ومن طبائع الأمور أن التوازن بين عنصرين غير متوازنين يصب في مصلحة أحدهما على حساب الآخر· فالتوازن بين الجاني والضحية يفتقد العدل، وكذلك بين القوي والضعيف· فالانصاف يقتضي أن تميل مع الضحية ضد الجاني، ومع الضعيف ازاء القوي·
غير أن انحياز الولايات المتحدة لإسرائيل يعميها عن الحقيقة· ويساهم في ذلك أيضا اصرار الفصائل الفلسطينية على المقاومة المسلحة وحدها وإهدار المقاومة المدنية الشعبية في لحظة يسهل فيها الخلط بين الكفاح الوطني المسلح والارهاب· وقد رأينا كيف يفقد الفلسطينيون تعاطف قوى دولية أخرى معهم، مثلما ظهر في البيان الذي صدر عن الاجتماع الأخير للجنة الرباعية في الشهر الماضي· فقد حمل هذا البيان الفلسطينيين وإسرائيل المسؤولية عن إخفاق الجهود التي بذلت لتطبيق خطة خريطة الطريق ، بل حمل على الجانب الفلسطيني بدرجة أكبر· كما لا ننسى اننا عجزنا عن إقناع دول تقف معنا عادة، مثل ألمانيا، بصيغة مشروع القرار الذي قدمته المجموعة العربية إلى مجلس الأمن· فقد امتنعت ألمانيا، ومعها الكاميرون وبلغاريا وبريطانيا، عن التصويت· وهذا دليل على مدى قصور التحرك العربي ضد الجدار الإسرائيلي، والعجز عن كسب المجتمع الدولي في قضية واضحة لا لبس فيها، لأننا لا نتقن عملنا ولا نرتب أولوياتنا كما ينبغي ولا نعرف كيف نناور ونساوم عندما تكون ثمة حاجة ماسة ومصلحة كبرى في استصدار قرار من مجلس الأمن في قضية لا تتحمل التأخير· لقد كنا نعرف أن واشنطن لن توافق على مشروع قرار ضد الجدار الإسرائيلي العازل الا اذا تضمن موقفا تجاه عمليات المقاومة الفلسطينية المسلحة تحقيقا للتوازن الذي ت