في مايو 2008 اجتاحت موجة عنف ضد الأجانب العديدَ من الأحياء الفقيرة في جنوب أفريقيا حين انقلب سكان هذه الأحياء الهامشية -وجميعهم من السود الفقراء العاطلين عن العمل- على جيران لهم أشد فقراً وأكثر بؤساً وأسوأ حالاً: المهاجرون السود القادمون من بلدان أخرى في أفريقيا. وخلال الأيام القليلة التي تلت ذلك، قُتل أكثر من 60 مهاجراً واضطر عشرات الآلاف الآخرين للفرار من منازلهم، ومن بينهم المئات من المهاجرين الصوماليين الذين كان الكثير منهم يكسب قوت يومه من محال بقالة صغيرة يملكونها في أكواخ مصنوعة من القصدير. وأحد هؤلاء كان أسعد عبدالله، الذي فر من الصومال حين كان طفلًا في الثامنة من عمره ولجأ إلى كينيا المجاورة بعد وفاة أمه واختفاء أبيه. وحين اشتد عوده وضاقت به الأرض هناك، قرر أن يجرّب حظه في مكان آخر ليبدأ بذلك رحلته إلى جنوب أفريقيا مروراً بإثيوبيا وعدد من المحطات الأخرى، قبل أن ينتهي به المطاف في حي من الأكواخ الفقيرة في مدينة كيب تاون. وقد أقدم عبدالله على هذه الرحلة الطويلة والشاقة والمحفوفة بالمخاطر لأن حلماً قوياً كان يراوده، حلم العيش في بلد نيلسون مانديلا الذي لا تستطيع فيه الشرطة الزج بالناس في غياهب السجون بشكل تعسفي، والذي لا يكون فيه مصير المعارضين الاختفاء. غير أن محاولات عبدالله بدء حياة جديدة في جنوب أفريقيا كثيراً ما كانت تحبط بسبب العنف، الذي طال ذات يوم أحد أقاربه الذي كان يملك محل بقالة صغيراً، وإليه يعود الفضل أصلاً في حصول عبدالله على عمل كناقل للسلع، حيث تعرض لإطلاق نار قاتل بعد بضعة أشهر في جريمة سطو مسلح. وفي غضون عام أو أقل، تعرض أيضاً شريك له قام معه بفتح محل بقالة صغير بمنطقة ريفية للسطو والطعن بأداة حادة حتى الموت في محله على يد زبون. وزوجة شريكه، التي سارعت لنجدة زوجها -وكانت تحمل بين ذراعيها طفلها الصغير- انحنت على زوجها باكية ووضعت رأسه في حجرها، وعندما رفعت بصرها وجدت صغيرها يحبو على بركة الدم المنسكب من رأس زوجها. وهذا المشهد المأساوي الفظيع ليس سوى واحد من مشاهد أخرى عديدة من حياة عبدالله كما يحكيها لنا الصحافي والأكاديمي الجنوب إفريقي جون شتاينبرج في كتابه الجديد «رجل الأمل». ومثلما فعل ذلك ببراعة في كتابيه السابقين -الأول حول وباء الإيدز في جنوب أفريقيا، والثاني عن الصراع القاتل على الأرض بين المزارعين البيض وجيرانهم السود- يتعرض شتاينبرج هنا أيضاً لمواضيع سياسية واجتماعية عامة من خلال رؤية عينيْ بطل واحد. وفي «رجل الأمل»، يصف المؤلف فوضى الحرب الأهلية في الصومال، ومحنة اللاجئين ومعاناتهم في أفريقيا، وغنى ومتانة الروابط الاجتماعية التي تجمع المهاجرين الصوماليين الذين يذهبون إلى جنوب أفريقيا، والحياة الصعبة التي يعيشونها كلاجئين حيث يدير المحظوظون منهم محلات بقالة في أحياء جنوب أفريقيا الفقيرة. بيد أن الإحباط الأكبر بالنسبة لعبد الله أتاه بعد أن انتقل إلى حي أكواخ فقير بالقرب من مدينة كيب تاون ممنياً النفس بأن تكون الحياة هناك أهنأ وأقل عنفاً. ولكن ذات ليلة، وبعد أن كان قد سمع عن تفشي الشغب في نشرات الأخبار وتلقى اتصالات من أصدقاء صوماليين تعرضت محلاتهم للنهب والحرق، سمع أصوات نفر خارج محله تقترب. وعندما خرج ليستوضح ما يحدث، انقض عليه جيران وزبائن سابقون حيث انهالوا عليه بالضرب وقاموا بنهب محله وإحراقه. وملحمة عبدالله ليست سوى قصة لاجئ واحد من بين لاجئين كثيرين. وظاهرياً، قد يبدو الكتاب مجرد سيرة ذاتية لمهاجر شاب وحيد فر من ويلات الحرب ويحلم بحياة كريمة وغد أفضل. ولكنه في الواقع يمثل قصة إفريقية ملحمية تتعرض لبعض الموضوعات الجوهرية المعاصرة مثل الجريمة والهجرة والفقر والاتجار بالبشر ومعاداة الأجانب، ملقيةً في هذه الأثناء ومضات على النظام العشائري الصومالي، والاضطهاد في إثيوبيا، والعنصرية القاتلة في أحياء جنوب افريقيا الفقيرة. محمد وقيف ----- الكتاب: رجل الأمل المؤلف: جوني شتاينبرج الناشر: نوف تاريخ النشر: 2015