في أروشا، ذلك المنتجع التنزاني الجميل، التقت أطراف النزاع الجنوبي الثلاثة الرئيسية: سلفاكير، ونائبه السابق «رياك مشار»، ومجموعة الثمانية التي اعتقلها سلفاكير عندما نفذ انقلابه على قيادات الحركة الشعبية والحكومة، وقد مثلهم «دينج ألور» وزير الخارجية السابق. وقد جرى اللقاء بترتيب وإعداد من رئيس جمهورية تنرانيا وبمشاركة عدد من رؤساء الدول الأفريقية التي قدر الرئيس التنزاني أنها تلعب دوراً مهماً في الصراع الجنوبي، في مقدمتهم نائب رئيس جمهورية جنوب أفريقيا ورئيس أوغندا ورئيس الكنغو وغيرهم. ولتنزانيا والحزب الحاكم فيها علاقة وطيدة بالحركة الشعبية لتحرير السودان منذ النشأة المبكرة للحركة وبرئيسها المؤسس جون قرنق. وقد مثل مؤتمر أروشا أكبر اختراق إيجابي، ويرجو المتعاطفون مع شعب الجنوب ودولته الوليدة أن ينفذ القادة الجنوبيون ا?تفاق الذي توصلوا إليه هناك ووقعوا عليه بشهادة الرؤساء الأفارقة الحاضرين. وكانت القيادة التنزانية قد بادرت ببذل مجهودات صعبة وشاقة لإقناع الطرفين المتحاربين اللذين قادت حربهما إلى سقوط الآلاف من المدنيين، وإلى دمار وحرق قرى كثيرة ممن امتدت إليهم الحرب الأهلية التي بدأت في جوبا في يناير العام الماضي. وقد عملت تنزانيا بهدوء ودون ضجيج إعلامي وفق رؤية سياسية لتوصيف الصراع والحرب الأهلية، ورأت عن حق ومعرفة بأحوال المتصارعين أن هذه المأساة الدامية الدائرة في الجنوب هي من إفرازات الأزمة الداخلية في الحزب الحاكم -الحركة الشعبية- التي تمتد جذورها لما قبل إعلان قيام دولة الجنوب. وهي أزمة تعود حتى إلى حياة قرنق. ولكن كل الأطراف المتشابكة والمشاركة في أزمة الحزب والقيادة كانت تحرص على عدم انفجار الأزمة ما قبل الاستقلال؛ لأنها كانت محتاجة إلى توحيد صفوفها في مواجهة الخرطوم، ولتحقيق الانفصال عن الشمال.. وهي رؤية سياسية جنوبية يتساوى فيها رواد السودان الجديد وآباؤهم رواد الانفصال في عهد ا?ستعمار وبداية الحكم الوطني.. فالسياسيون الجنوبيون كانوا دائماً حريصين على إخفاء وتسكين صراعاتهم القبلية في مواجهة الخصم القادم من الشمال، وحالما يتحقق الهدف المجمع عليه بينهم تطفو على السطح خلافاتهم وصراعاتهم القبلية، وهي قبلية فعلاً مهما حاولوا إنكارها وتصوريها على أنها خلافات حول المبادئ السياسية. انتقل مؤتمر أروشا إذن بالأزمة الداخلية للحزب الحاكم، وكانت مخارجاته التي أعلنت في مؤتمر صحفي تصب كلها في اتجاه تجاوز أزمة القيادة وإعادة تأسيس الهياكل الحزبية التي أطاح بها سلفاكير بما فيها أبناء قبيلته «الدينكا» وأبرزهم «دينج ألور». وجذور الأزمة الممتدة ليست فريدة في الحركة الشعبية، وهي الاختلاف والخلاف بين جناحي الحزب والحركة المسلحة، أي الجناحين المدني والمسلح. وقد حاول قرنق تجاوز وتفادي هذا الواقع الذي شهدته صفوف العديد من حركات التحرير الأفريقية. وكان قد توصل أن على أي مرشح لعضوية الحركة الشعبية أن يلتحق بالجيش الشعبي لمدة عام قبل حصوله على بطاقة العضوية... وقد أصبح بذلك كل المثقفين من حملة الشهادات الأكاديمية قادة عسكريين في الجيش الشعبي، وحصلوا على أعلى الرتب العسكرية. لقد نجح مؤتمر أروشا في جمع قادة الأجنحة الثلاثة حول اتفاق سياسي سمي «وثيقة أروشا»، وهو اتفاق مكون من ستة بنود تدور حول وحدة حزب الحركة الشعبية وإعادة الأمور الداخلية إلى ما كانت عليه قبل الانقلاب الرئاسي. وفي نظري أن أهم بنود «وثيقة أروشا» هو البند القائل إن الجميع اتفقوا على الاعتذار لشعب الجنوب اعتذاراً موثقاً على ما سببوا له من قتل ودمار وإهانة تصحب عادة النزوح العاجل عن أرض الوطن، الذي وصل ضحاياه من الجنوبيين أكثر من مليوني نسمة... وإذا صدق القادة الموقعون على الوثيقة ونفذوا اعتذارهم لشعبهم بصدق وحسن نوايا وقرنوا الكلام بالعمل ليصبح الاعتذار سابقة جديدة في تاريخ السياسة والصراع الحزبي في جنوب السودان... وإضافة إلى هذا الاعتذار هنالك أيضاً الاتفاق بين القادة على ألا يشغل أي عضو حزب ثبت أنه شارك في عملية القتل والحرق المأساوية منصباً مهماً كان موقعه. وقد تفاءل المجتمع الدولي والإقليمي باتفاق أروشا، وقال المبعوث الأميركي لجنوب السودان، إنه يأمل أن يصبح الاتفاق هو الطريق للاتفاق حول المفاوضات التي ترعاها «الإيغاد» بين الحكومة والمعارضة، التي ستنعقد في الأسبوع الأول من فبراير القادم... لقد نجحت القيادة التنزانية في الوصول إلى اتفاق أروشا، ويبدو أنها قد كانت واثقة من قدرتها على متابعة تنفيذ الاتفاق حسب ما التزم به الرئيس التنزاني في ختام المؤتمر. وا?مل كبير أن تكون «وثيقة أروشا» خاتمة لهذا الصراع الجنوبي المأساوي. * كاتب سوداني مقيم في كندا