هناك وجهة نظر يتم تداولها في الغرب بأن العمليات الإرهابية التي حدثت مؤخراً في أوروبا لها علاقة بما يعرف بتنظيم «داعش»، ولاسيما من ناحية المقاتلين العائدين منه. والمحللون الذين يتذكرون ما كان يحدث في المجتمعات العربية من العائدين من أفغانستان «الأفغان العرب» أو العائدين من حرب البوسنة والهرسك، يعتقدون أن اجتماع لندن يوم الخميس الماضي، الذي ضم 21 دولة من بينها عدة دول عربية، جاء لمناقشة موضوع «داعش» من أجل تشديد إجراءات التحسب من عودة المقاتلين الأجانب إلى المجتمعات التي هاجروا إليها، على افتراض أن المقاتلين الأجانب يعودون إلى أصول عربية أو إسلامية. إن تكرار العمليات الإرهابية الفردية «الذئب المنفرد» في مختلف الدول الأوروبية التي يقوم بها بعض الأفراد من أبناء المهاجرين من المجتمعات المسلمة يتم تصويرها، على أنها مدخل مناسب يراهن عليه «داعش» في إثارة الفوضى داخل تلك المجتمعات. حيث إن الاستراتيجية المرسومة من قبل هذه الحركة وغيرها من الحركات المتطرفة مثل تنظيم «القاعدة» حسب هذه تحليلات الغربية، تقوم على استفزاز مواطني المجتمعات الغربية من غير المسلمين من خلال أعمال باسم الدين الإسلامي، توقعاً لأن يكون رد الفعل من الخائفين من أسلمة المجتمع عنفاً مقابلاً، ومن ثم ترتفع وتيرة العنف لتصل إلى مستوى حرب أهلية بين المهاجرين القادمين من الشرق وبين المواطنين الغربيين. كما تشير التحليلات الغربية أيضاً إلى أن اختيار دول معينة لتنفيذ مثل هذه السيناريوهات أمر مدروس، على اعتبار أن هناك مجتمعات غربية تعاني هشاشة مجتمعية بحسب ما يعتقدون، سواء كانت بسبب نظرة التفرقة العنصرية أو نتيجة احتقان من قبل بعض أفراد الجاليات على المجتمعات، أو لأن تلك الدول تعاني ضعفاً في الإجراءات الأمنية، وبالتالي يسهل اختراق تلك المجتمعات وإثارة الفوضى فيها. ولذا كان اختيار فرنسا لبدء تنفيذ مثل هذا السيناريو أو على الأقل تجربته أمراً متعمّداً وليس مصادفة، لأن الأسباب سابقة الذكر تقريباً تنطبق عليها نظرياً على الأقل. ولكن عملياً هذه الفكرة لم يكتب لها النجاح، لأن رد الفعل الفرنسي سبق المخطط وأفشله عندما اعتبر الرئيس فرانسوا أولاند أن المسألة لا علاقة لها بالإسلام والمسلمين، وأن ما حدث هو شأن فرنسي بالكامل، وقد يكون هذا عاملاً أساسياً في تخفيف رد الفعل حتى الآن على الجاليات المسلمة، إضافة إلى رد الفعل الدولي الذي كان كبيراً حيث شاركت دول كثيرة في مسيرة باريس. مسيرة باريس واجتماع لندن وكذلك لقاء الرئيس الأميركي أوباما مع ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني كان الهدف منه هو سد الطريق أمام تمدد هذه العمليات خاصة بعدما تكررت في أكثر من مكان في العالم، وسبقتها عملية اختطاف زبائن في مطعم في أستراليا. وما يثير الانتباه حول هذه العمليات أنها لم تكن وليدة العمليات التي قامت بها «داعش» مؤخراً فهذه الاستراتيجية موجودة منذ أكثر من عقد، عندما بدأ نفوذ تنظيم «القاعدة» المباشر على أفراده يقل ويتراجع، ومن ثم كان كل فرد في أي مكان في العالم يقوم بعملية إجرامية ينسبها إلى «القاعدة». وما ينبغي التركيز عليه هو أن سر انتشار تلك الاستراتيجية هذه الأيام يكمن في كيفية الاستفادة من شبكات التواصل الاجتماعي التي لعبت دوراً كبيراً في نقطتين رئيسيتين، وبالتالي استطاعت بث القلق في العالم: النقطة الأولى، تشجيع الناس في تداول أفكارها وبالتالي استقطابهم. هناك أكثر من 8000 مقاتل أوروبي يقاتلون مع «داعش»، هذا غير الموالين المحتملين. والنقطة الثانية، لا تقل خطورة عن الأولى، وهي مسألة الهوية الوطنية والانتماء بالنسبة للإنسان، فمع كل التوقعات بأن تؤثر العولمة في هذا العامل في تحسين مستوى التعامل والتعايش الإنساني إلا أنه لم يكن متوقعاً أصلاً أن تستفيد منه الحركات الإرهابية أكثر من الدول، وبالتالي زادت حجم المعاناة. وربما يكون هذا هو ما دفع الكثير من أبناء الجاليات المسلمة إلى رفض تلك العمليات، وخاصة أنهم تأذوا منها مثل أبناء الدول الغربية الأصليين. والتخوف أن تقوم هذه الحركات بتثبيت قيم جديدة في العالم، وتكون النتيجة وجود جيل نشأ على مشاهدة ما تقوم به «داعش» وما تنشره من أفكار متطرفة منحرفة!