دأبت «ولاية جوجارات» الهندية على استضافة قمة لرجال الأعمال مرة كل عامين حتى باتت تُعرف باسم «جوجارات النشيطة»، وهي تهدف لجذب الاستثمارات من كل أرجاء العالم إلى هذه الولاية الغربية. وكان رئيس الوزراء الهندي الحالي «ناريندرا مودي» هو الذي أطلق هذا الحدث للمرة الأولى عندما كان يشغل منصب رئيس الوزارة المحلية. وعبر السنين، كان هذا الحدث يسجل درجات متفاوتة من النجاح. وكان يتم الإعلان عن استثمارات جديدة ببضع مليارات الدولارات في نهاية كل دورة لهذه القمة. وأصبح الحدث يحظى بشهرة واسعة، وساهم في تحقيق تطور كبير للولاية التي باتت تلقّب باسم «جوانجزهاو الهند» في إشارة إلى المقاطعة الصينية، التي تشتهر بصناعتها وتجارتها، وكانت تمثل بالفعل دور القوة المحركة للاقتصاد الهندي خلال العقد الماضي. ويمكن وصف قمة العام الجاري التي انعقدت قبل أسبوعين، بأنها واحدة من أكبر الأحداث الاقتصادية الهندية. ولم يفوّت «مودي» الفرصة لإبراز نجاحها اللافت باعتباره من صنعه هو عندما سعى إلى تحويل «جوجارات» إلى مركز لجذب الاستثمارات الأجنبية إلى الهند كلها. وحظي الحدث بمشاركة قادة ومسؤولين عالميين كبار من العالم أجمع، من بينهم الأمين العام للأمم المتحدة بان كي- مون ومدير البنك الدولي جيم يونج كيم ووزير الخارجية الأميركي جون كيري. وكان هذا الجمع يتشوق لرؤية مؤشرات النجاح في «جوجارات» التي يعود فضل تحقيقها إلى «مودي»، والتنبؤ بما إذا كان في وسعه أن يعيد استنساخ النجاح ذاته في الهند كلها بعد أن أصبح رئيساً للوزراء. وخلال انعقاد القمة، حاول «مودي» إزالة المخاوف الاستثمارية في الهند، وقال إن حكومته تسعى بكل جهدها لاستكمال الدائرة الكاملة للإصلاحات الاقتصادية بالسرعة الممكنة، وأشار إلى أن الحكومة كانت مهتمة بوضع سياسات محددة بالغة الوضوح ونظام ثابت للضرائب. وكان من نتيجة هذه القمة، إعلان شركة «ريليانس الصناعية» عن رصد مبلغ استثماري بنحو تريليون روبية هندية (16 مليار دولار) في ولاية جوجارات خلال فترة تتراوح بين 12 و18 شهراً المقبلة فيما أعلنت مجموعة «ريو تينتو» البريطانية- الأسترالية المتخصصة بصناعة التعدين والمناجم عن إطلاق مشروعين استثماريين بتكلفة إجمالية تصل إلى ملياري دولار في ولاية «أوريسا» شرق الهند كما رصدت مبلغاً مماثلاً لاستثماره في ولاية «مادهيا برادش» وسط الهند. ومنذ تولى «مودي» منصبه كرئيس لوزراء الهند في شهر مايو من العام الماضي، تبنى عدة إجراءات لتنشيط العمل ودفع مسيرة النمو في الهند، من بينها فتح عدد من القطاعات مثل الصناعات الدفاعية أمام الاستثمارات الخارجية. وعقب إطلاقه الرسمي لحملة «إصنع في الهند»، التي تهدف إلى تطوير الصناعة المحلية، قابل 38 رئيس دولة وشارك في خمس قمم عالمية تهدف إلى الرفع من المكانة الاقتصادية للهند عبر العالم وخلق بيئة إيجابية للعمل وزيادة رؤوس الأموال الاستثمارية من أجل رفع معدل النمو إلى أكثر من 5.3 بالمئة. وهذا العام، أصبح من المتوقع أن يرتفع معدل النمو إلى 6.4 بالمئة. وبالرغم من أن مدير البنك الدولي وصف الهند بأنها «البقعة المضيئة» في البيئة الاقتصادية العالمية، إلا أن طريقاً طويلاً ما زال يتوجب على «مودي» قطعه حتى يتمكن من إقناع المستثمرين العالميين بأن الهند أصبحت بالفعل مركزاً صالحاً للاستثمار. وأظهر حتى الآن اهتماماً خاصاً بتطوير بعض القطاعات الاقتصادية، وتبقى قطاعات أخرى بحاجة لأن تحظى باهتمامه أيضاً. ويتوجب عليه أن يهتم بإصلاح نظام العمل والتشغيل، وأن يجتثّ البيروقراطية الإدارية من جذورها، وهي التي لا زالت تُعدّ العائق الأكبر أمام النمو. وتبدو مساعيه لتحويل الهند إلى مركز صناعي عالمي عامرة بالطموح وتكتسي أهمية كبيرة إلا أنها تحتاج إلى خطة بعيدة المدى. والآن، يساهم القطاع الصناعي بنسبة 15 بالمئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي للهند. وبالرغم من عدم وجود أي شك في أن بيئة العمل والإنتاج في الهند قد شهدت تطوراً منذ رحيل حكومة «حزب المؤتمر» الأخيرة، إلا أن على «مودي» أن يعمل على تفعيل برامجه الإصلاحية وتنشيطها. وأول ما ينبغي عليه فعله هو إصدار «قانون الضرائب الموحدة على السلع والخدمات»، وهذا شرط أساسي لتحويل الهند إلى سوق عالمي. وتنعقد الآمال الآن على أن تسود الثقة بالاستثمار في الهند أوساط الصناعيين والمستثمرين في العالم وخاصة لأن الحكومة الحالية تحظى بالأغلبية في البرلمان وبما يجعلها قادرة على تحقيق هذه الأهداف والتطلعات. مدير مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي