تمر سريلانكا بتحول سياسي كبير بعد خسارة «ماهيندا راجاباكسا» حاكمها لفترة طويلة الانتخابات العامة لمصلحة صديقه السابق ومنافسه الحالي «مارثيبالا سيريسينا»، الذي قاد كتلة المعارضة ضده. وانتصار «سيريسينا» ضد الرئيس «راجاباكسا»، الذي هيمن على السياسة طيلة عقد يعتبر تفويضاً تاريخياً. ونتائج الانتخابات تمثل تغيراً كبيراً للدولة التي خرجت عام 2009 من حرب أهلية طاحنة دامت عقدين. وللرئيس «راجاباكسا» الفضل في الواقع في إنهاء الحرب ضد نمور التاميل. وحقق الزعيم الذي يتمتع بقبول شعبي فوزاً ساحقاً في الانتخابات بعد عام من هزيمة نمور التاميل، لكن على مدار السنوات القليلة الماضية انخفضت شعبيته. وتعبر نتائج الانتخابات عن استياء شديد من أسلوب حكمه. لكن بينما ينسب إلى الرئيس السابق الفضل في الحاق هزيمة ساحقة بنمور «التاميل» بعد فترة قصيرة من توليه السلطة، فقد انتهت الحرب بوحشية عام 2009 وذكرياتها لم تتلاش بعد. ولم تصمت أقلية التاميل العرقية عما حدث. وتقدر الأمم المتحدة أن 40 ألف مدني تقريباً قتلهم جيش سريلانكا لقمع التمرد. لكن الحكومة تزعم أن المتمردين استخدموا المدنيين كدروع بشرية. والهزلي في الأمر أن «راجاباكسا» بدأ مشواره السياسي كمحام شاب مدافع عن حقوق الإنسان ضد التجاوزات التي يُتهم بها اليوم. ولا شك في أنه بعد هزيمة المتمردين التاميل شهدت سريلانكا نمواً سريعاً مع تطوير البنية التحتية من الطرق إلى خطوط السكك الحديدية عبر الجزيرة بالإضافة إلى دعم السياحة. لكن الانتقادات انتشرت أيضاً على مدار السنوات الثلاث الماضية في غمرة مزاعم بتخويف الصحفيين والنشطاء. ومع وجود «جوتبهايا راجاباكسا» صاحب النفوذ في منصب وزير الدفاع وهو شقيقه الذي لعب دوراً محورياً في إلحاق الهزيمة بنمور التاميل، يتهم الرئيس المنقضية ولايته على نطاق واسع بالسلطوية والاتهامات ضده بالمحسوبية كثيرة. ونهاية سنوات «راجاباكسا»، هي في الحقيقة نهاية لحقبة من الزمن مما يمنح سريلانكا فرصة لبداية صفحة جديدة. والرئيس الجديد «سيريسينا»، الذي كان وزيراً للصحة قبل استقالته وقيادته للمعارضة، ينتمي أيضاً للأغلبية السنهالية، وينحدر من المنطقة الشمالية الوسطى. وإلى جانب دعم من البوذيين السنهاليين الذين يشكلون 70 في المئة من السكان، حصل «سيريسينا» أيضاً على أصوات من أقليات المسلمين والمسيحيين و«التاميل»، فهذه الأقليات شعرت بتزايد تهميشهم أثناء سنوات «راجاباكسا»، لذا يتطلعون لرئيس جديد يحقق بعض التغيرات. لكن علينا الانتظار حتى نرى كيف سيتعامل «سيريسينا» مع «التاميل»، الأقلية الأكبر، وإذا كان سينقل إليهم سلطات كبيرة. ووعد أيضاً بتعزيز القضاء والبرلمان السريلانكيين اللذين ضعفا أثناء حكم «راجاباكسا، وبالتصدي للفساد، والتحقيق أيضاً في مزاعم جرائم الحرب عام 2009، لكنه التزم الصمت إلى حد كبير فيما يتعلق بمطالب التاميل لانتقال أكبر للسلطة إلى المناطق التي يمثلون فيها أغلبية. و«سيريسينا»، مثل سلفه، يستمد سلطته من الأغلبية السنهالية نفسها التي ترفض إلى حد كبير مطلب «التاميل» بالحصول على سلطة أكبر في الشمال. والسؤال المحوري الآخر ينصب على كيفية إدارته لعلاقات البلاد بالصين والهند. وكان جانب كبير من انزعاج الهند يرجع إلى تقرب الرئيس السابق إلى الصين واستخدام علاقاته مع بكين كنقطة قوة أمام الهند. ولذا ستراقب الهند عن كثب إذا كانت السلطة الجديدة ستتبع السياسة نفسها أم ستغيرها قليلا. وقدمت الصين لسريلانكا قرضاً بمليارات الدولارات لإعادة بناء بنيتها التحتية ومنها موانئ جديدة. وأثارت العلاقات الوثيقة بين سريلانكا والصين قلق الهند التي احتجت على وجود غواصات عسكرية صينية راسية في كولومبو. ووعد سيريسينا في حملته الانتخابية بإقامة علاقات متساوية مع الهند والصين بعيداً عن باكستان واليابان. وسيحظى هذا المجال بمراقبة عن كثب في المنطقة. ووعد أيضاً بفحص كل مشروعات البنية التحتية الكبيرة التي موّل الصينيون معظمها ليرى مدى جدوتها الاقتصادية. وتعهدت الحكومة الجديدة أيضاً باتخاذ إجراءات ضد أي شخص يثبت تورطه في الفساد ومنهم أفراد عائلة «راجاباكسا». ولا يتوقع أن تختلف السياسة الاقتصادية الأساسية لزعيم سريلانكا المنتخب حديثاً كثيراً عن سلفه. لكن في ظل ما لاحظه الجميع من تقربه إلى أقلية التاميل المهضومة الحقوق، فلا شك إلا قليلاً في أن التغيير قد يمثل فرصة تاريخية للقيادة الجديدة لتوحد الجزيرة من خلال مصالحة بين الأغلبية البوذية وأقليات المسلمين والمسيحيين والتاميل. رئىس مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي