في خطابه عند استلامه لجائزة نوبل للطب عام 1945، تنبأ العالم البريطاني «ألكسندر فلمنج» مكتشف «البنيسيلين» -أحد أهم المضادات الحيوية في تاريخ الطب الحديث- بقدرة الميكروبات على توليد مقاومة ومناعة ضد هذه النوعية البالغة الأهمية من العقاقير في الممارسات الطبية الحديثة. وبالفعل تحققت هذه النبوءة إلى حد كبير، فعلى رغم أن المضادات الحيوية شكلت خلال العقود السبعة المنصرمة سلاحاً بالغ الأهمية في ترسانة الأدوية والعقاقير الطبية، كوسيلة فعالة لعلاج العدوى البكتيرية، إلا أن هذه الحزمة من الأدوية تشهد، يوماً بعد يوم، تراجعاً في مقدار فعاليتها، بدرجة قد تجعلها يوماً ما عديمة الجدوى، دون أن يكون هناك بديل آخر حالياً، أو حتى في المستقبل القريب، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، قد تتسبب في وفاة أكثر من عشرة ملايين شخص سنوياً، بحلول عام 2050. وهو ما سيشكل حينها عدد وفيات أكبر من الذي تتسبب فيه الأمراض السرطانية حالياً، وذلك مقارنة بـ700 ألف شخص سنوياً يلقون حتفهم بسبب هذا النوع من البكتيريا حالياً، 50 ألفاً منهم في أوروبا والولايات المتحدة، وهو العدد الذي يتوقع أن يتضاعف بمقدار عشرة أضعاف بحلول عام 2050. ومما يزيد الموقف سوءاً، أنه منذ 1987، أي منذ قرابة ثلاثة عقود، لم ينجح العلماء في اكتشاف نوعية جديدة من المضادات الحيوية، في الوقت الذي تتراجع فيه فعالية وقدرة المتاح منها حالياً على علاج العدوى بالجراثيم، إلى درجة أن بعض التوقعات تحذر من أن العديد من التدخلات الطبية الروتينية المستخدمة حالياً، مثل الولادة القيصرية، أو جراحات استبدال المفاصل، والعلاج الكيماوي لمرضى السرطان، ونقل وزراعة الأعضاء، وغيرها من الإجراءات العلاجية المعتادة، قد تصبح عما قريب خياراً غير متاح. وهو أمر بخلاف ثمنه الإنساني الباهظ المتمثل في ملايين الوفيات، يتوقع أيضاً أن يكلف الاقتصاد العالمي 100 تريليون دولار في شكل خسائر اقتصادية. وإن كان هذا الوضع من شأنه أيضاً أن يتغير، حسب دراسة أجرتها مجموعة من علماء جامعة «نورث-إيسترن» بمدينة بوسطن الأميركية، ووصفت نتائجها التي نشرت في العدد الأخير من إحدى الدوريات العلمية المرموقة (Nature)، بأنها علامة فارقة على طريق الاكتشاف الحديث في عالم المضادات الحيوية، وتبشر ببزوغ فجر جديد في الصراع التاريخي بين الإنسان والميكروبات. ولفهم أهمية هذه الدراسة، لابد أن ندرك أنه حتى يومنا هذا، وبخلاف نسبة 1 في المئة فقط، يعجز العلماء عن زراعة البكتيريا في أطباق المعامل، وهو ما يعيق محاولاتهم لفهم نقاط الضعف الحيوية في الغالبية العظمى من البكتيريا، ويمنع أيضاً اكتشاف مضادات حيوية جديدة، يمكنها استغلال نقاط الضعف تلك، ومن ثم تخليص الجسم من العدوى. وما قام به العلماء، هو زراعة أنواع مختلفة ومتعددة من البكتيريا، في تربة طبيعية، داخل حجيرات ميكروسكوبية متلاصقة، موجودة جميعها على شريحة دقيقة. ولأسباب غير واضحة بشكل كامل، ساعدت الخصائص الكيميائية للتربة الطبيعية -بخلاف الظروف الكيميائية في أطباق المعامل- على نمو وتكاثر أنواع البكتيريا المختلفة. والأهم من ذلك، أنه بوجود تلك البكتيريا في حجيرات متلاصقة، بدأ بعضها في إفراز مواد كيميائية – مضادات حيوية- للتوسع والتخلص من البكتيريا المجاورة، في شكل كلاسيكي من أشكال التنافس على المصادر الطبيعية بين الكائنات الحية. وبحصد وتنقية تلك المركبات الكيميائية، وجد العلماء 25 نوعاً جديداً، يمكن أن يستخدم أي منها كمضاد حيوي، لقتل أنواع البكتيريا الأخرى. وحظي نوع محدد من تلك المركبات الكيميائية (Teixobactin) بجل اهتمام العلماء، لأنه على رغم عدم تسببه في أية أضرار على الحيوانات الثديية -مثل الإنسان- إلا أنه أظهر سميّة عالية ضد أجناس متنوعة من البكتيريا، خصوصاً تلك التي تتمتع بمقاومة فائقة ضد طيف واسع من المضادات الحيوية، وتعرف بالبكتيريا «السوبر». وهذه البكتيريا، تتجاهل، ولا تلقي بالاً، للغالبية العظمى -إن لم يكن جميع- المضادات الحيوية التي تستخدم ضدها حالياً، مما يؤدي في النهاية لوفاة المريض، بينما يقف الأطباء عاجزين. ومع هذه الطريقة المبتكرة، في زراعة البكتيريا في بيئة طبيعية، تسمح لها بالتكاثر والازدهار، ومن خلال دراسة الإفرازات الكيميائية التي تنتجها تلك الميكروبات في بيئاتها الطبيعة، من أجل العيش والتنافس مع الجراثيم الأخرى، ربما يكون علماء جامعة «نورث-إيسترن» قد نجحوا أخيراً في فتح الباب على مصراعيه لاكتشافات حديثة، ولاختراقات مستقبلية مثيرة في عالم المضادات الحيوية، بعد أن ظل ذلك الباب موصداً لقرابة ثلاثين عاماً كاملة.