صدمني الخبر الذي تناقلته وكالات الأنباء عن سماح حكومة أردوغان أخيراً، وضمن محاولتها مراودة أوروبا من جديد، وإغرائها بإدخالها في منظومتها الاتحادية، وبعدما بلغ بها يأس عودتها عبر المتأسلمين لزاوية عثمانيتها الآفلة بعدما كسدت سوق الأفكار «الإخوانية» المغلوطة في مختلف دول المنطقة، ففي مغازلة صريحة متجددة لدخول الاتحاد الأوروبي، سمحت حكومة أردوغان أخيراً ببناء كنيسة جديدة في تركيا للأقلية السريانية، وهي المرة الأولى منذ قيام الجمهورية العلمانية التركية في عام 1923، فالدولة التي طرحت نفسها علمانية، واحتضنت في زمانها الأردوغاني مختلف الاتجاهات المتأسلمة، وسعت لدعمهم في تقويض أنظمة دولهم الحالية هنا وهناك، أدركت أخيراً أن الإسلام حثّ على احترام الأديان الأخرى، والسماح لمعتنقيها بممارسة معتقداتهم في أمان وحرية، فقد اعترف أحد مسؤوليها قائلاً: «إنها المرة الأولى منذ قيام الجمهورية.. لقد تم ترميم وإعادة فتح كنائس أمام الجمهور، لكن لم يتم حتى الآن بناء أي كنيسة جديدة». ذات الصورة جعلتني أحس بالفخر حينما حاولت مقارنتها بما يحدث في بلادي، فسهام المستهدفين المتأسلمين التي تصدرها تلك الأبواق المتقنعة بأقنعة إعلامية أو حقوقية أو غيرها من الأقنعة، لم تتحدث يوما عن ظلم طائفة اجتماعية ليست قليلة العدد في تركيا، بينما ترسم اللوحات الوهمية الخيالية عند الحديث عن دولة الإمارات، ويكفي أن الإمارات شكّلت النموذج التعايشي الأعظم في العصر الحديث، ففي دولتنا لا توجد صراعات عرقية أو دينية أو مذهبية أو طائفية كما في العديد من دول المنطقة، وفي دولتنا لا توجد مسافات بين القيادة والقاعدة، وكلهم يمثلون جموع الشعب، بعكس العديد من دول المنطقة، ودولتنا استمدت دستورها من الدين الإسلامي الحنيف وانتهجت الوسطية، وتركت لكل معتنق دين يمارس طقوسه الدينية بكل أمان، ولم تعيق أصحاب أية ديانة عن بناء دور عبادتهم، فائتلف الجميع رغم تعدد الديانات والثقافات والأعراق وعدد الجنسيات، ووطني من السلع وحتى الفجيرة، تبقى كل أجزائه لنا وطنا، كم نباهي به ونفتخر، خاصة ونحن كعادتنا استقبلنا هذا العام الجديد بتفاؤل كبير، وباحتفالنا احتفلت مختلف الشعوب، فالألعاب النارية التي استقبلنا بها العام الجديد في مختلف مدن دولتنا، جسّدت فرحتنا مع كل من يمثّل هذا اليوم لهم قيمة، فهناك شعوب يمثّل مطلع يناير استقلالها، وهناك شعوب يمثل مطلع يناير عيدا لها، وهناك مواليد وٌلدوا في هذا اليوم، ومناسبات كثيرة خالدة يحتفل أصحابها بهذا اليوم الذي وفّرت فيه الإمارات جوّا احتفائيا أخرج العديد من الأسر والأفراد من منازلها إلى برنامج ممتع، وأخرج العديد من شعوب العالم التي تسمّرت على شاشات التلفزة أو الإنترنت ترقبا للحدث، من حالة الإحباط العامة التي تتسيّد المنطقة، إلى نقلة نوعية للفرح والأمل، فالألعاب النارية والأضواء والبهجة التي تعم الإمارات في استقبال كل عام، غدت قبلة تحج إليها مختلف كاميرات تلفزة العالم ضمن البلدان القليلة التي تحج إليها، وتسجل دور استقبال ورعاية والتعهد بالداخلين إلى الإسلام بقناعاتهم من الأديان الأخرى أرقاما قياسية، فأيّ دين ذلك الذي يريد المستهدفون من دولة الإمارات استبدال الدين الوسطي به؟ وما الذي حققته الاعتقادات الدينية المغلوطة في مناطق تواجدها؟ فالإماراتي كالسفينة التي عاش معها كل تاريخ البحر، وكالصحراء التي عاش معها مختلف حقب التاريخ، فالسفينة كثيرة السفر، ولكنها دائما ترتبط بمرساها تحنّ إليه، والإماراتي أكثر شعوب الأرض سفراً، ولكنه مرتبط بأرضه، وفي سفره وحله وترحاله في إجازاته السنوية إلى مختلف شعوب العالم، رأى بأم عينيه كل فرق بين وطنه وبقية الأوطان، ويكفي أن الإمارات تكاد تكون صفرية الهجرة، باستثناء الهجرة التي تكون بسبب الدراسة أو الوظائف الدبلوماسية والتنقلية، وكلها هجرات تنتهي بالعودة لأرض الوطن، على عكس العديد من الشعوب الأخرى التي تهاجر من مجهول لمجهول، وبعضها يهجر موطنه إلى الأبد، وها هي ذي الجوائز الدينية الكبيرة والدورية في كل موسم تدلل على محاسن الوسطية، وخيام الإفطار في رمضان، وتسيّد الإمارات المرتبة الأولى للأعمال الإنسانية في العالم، وها هي ذي شارقة الإمارات تحوز على لقب عاصمة الثقافة الإسلامية، فأي تطبيق للدين الإسلامي أفضل من هذا التطبيق الذي أخذ في الاعتبار أن الله قد خلق الإنسان في أحسن تقويم، فعمل على بناء وترقية الإنسان حتى وصوله مرتبة الرفاهية باعتراف الخبراء، وما الذي يريد المستهدفون تغييره في الإمارات التي شهدت أعلى معدلات النهضة في العصر الحديث، ووصل خيرها لكل بقاع الأرض؟ إنها تساؤلات حائرة تدور في أذهاننا نحن الإماراتيين، والمستهدفون دون شك، لا يملكون الإجابة!