مع أفول عام وحلول آخر، تحولت دول أميركا اللاتينية إلى منطقة من دون قادة. وتعاني فيها دول تئنّ تحت وطأة مشاكلها السياسية منذ سنوات، كالبرازيل وفنزويلا والمكسيك، من مشاكل داخلية خطيرة أصابتها بضعف سياسي شديد. وتشكو البرازيل، وهي الدولة الأكبر في أميركا اللاتينية، من مشاكل اقتصادية وسياسية حادة. وبدأت «ديلما روسيف» فترتها الرئاسية الثانية الخميس الماضي في ظل مشكلات جمة لم تواجهها البلاد خلال تاريخها الحديث. وتتلخص مشاكل البرازيل بالحالة البائسة للاقتصاد، وقوة المعارضة داخل الكونجرس البرازيلي، وتفجّر المزيد من الفضائح السياسية التي نتجت عن اكتشاف حالات تورط لمسؤولي الحزب الحاكم في قضايا رشى تتعلق بتسيير شركة البترول الوطنية «بتروبراس». وفيما لا يزال نحو نصف سكان البرازيل الذين صوتوا ضد «روسيف» في الانتخابات الرئاسية التي نظمت يوم 26 أكتوبر الماضي، يحتفظون بموقفهم المناهض لحكومة يسار الوسط القائمة، فإن كثيرين ممن صوّتوا لصالحها اتخذوا الموقف ذاته. وبالرغم من أن «روسيف» عمدت مؤخراً إلى تعيين رجل المصارف «جواكيم ليفي» في منصب وزير المالية، إلا أن التوقعات تشير بأن رصيدها السياسي لن يكون كافياً لإطلاق الإصلاحات الاقتصادية الضرورية. وجاء في تقرير نشرته مجلة «إيكونوميست» البريطانية في عدد الأسبوع الجاري الجملة التالية: «إن التوقعات المتعلقة باقتصاد البرازيل خلال السنوات الأربع المقبلة غامضة». ويتفق العديد من المحللين البرازيليين على أن توسع نطاق فضيحة «بتروبراس»، والحاجة الملحّة لإنقاذ الاقتصاد البرازيلي المتداعي، سوف تشلّ قدرة «روسيف» على لعب دور كبير في العلاقات الإقليمية. ومن المعروف أن البرازيل لعبت خلال السنوات الأخيرة دوراً بارزاً في تشكيل الكتل والأحلاف بين دول المنطقة مثل «اتحاد دول أميركا الجنوبية» و«التجمع الأميركي اللاتيني» و«حلف دول الكاريبي». وفيما يتعلق بفنزويلا، التي اختارت أن توزّع جزءاً كبيراً من ثرواتها النفطية مجاناً أو بأسعار متدنية على أكثر من 12 دولة في أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي مقابل الحصول على الدعم المعنوي لسياساتها التي جعلت منها أحد اللاعبين الإقليميين الكبار، فإنها تعاني بدورها من أخطر أزمة اقتصادية تتعرض لها خلال تاريخها الحديث. وأدى التدهور السريع لأسعار النفط على المستوى العالمي إلى تحويل فنزويلا إلى الدولة اللاتينية ذات معدل التضخم السنوي الأعلى في العالم أجمع والذي بلغ 65 بالمئة، وهي أيضاً الدولة ذات معدل النمو الاقتصادي الأكثر انخفاضاً في دول أميركا اللاتينية. ولقد جاءت هذه الحقائق والأرقام ضمن تقرير أعده صندوق النقد الدولي. ومنذ عمد الرئيس السابق «هوجو شافيز» إلى إطلاق «ثورته الاشتراكية»، عانت فنزويلا من دمار حقيقي أصاب القطاع الخاص، وهي تعتمد الآن على المداخيل من صادراتها النفطية بنسبة 95 بالمئة. وخوفاً من انفلات وحش التضخم من عقاله تماماً وغرق البلد في حالة من الفوضى الاقتصادية الكاملة، بدأت فنزويلا بمراجعة مواقفها المتعلقة بالمساعدات النفطية لدول أميركا الوسطى والبحر الكاريبي. وهو الإجراء الذي ينتظر أن يحدّ من نفوذها السياسي في المنطقة بشكل كبير. وحتى كوبا التي تعد الحليف السياسي الأقرب إلى فنزويلا والداعمة الأساسية لأطروحاتها الأيديولوجية، أصبحت الآن على وشك عقد صفقة مع الولايات المتحدة وبما سيدفع فنزويلا إلى وقف مساعداتها النفطية لها. وفيما يتعلق بالمكسيك، فإن من غير المرجح أن تتمكن من ملء الفراغ الذي سينتج عن غياب البرازيل وفنزويلا عن الساحة السياسية لأميركا الجنوبية، خاصة وأنها لم تبدِ نشاطاً ملحوظاً في علاقاتها الإقليمية خلال العقد الماضي. ويواجه رئيسها «إنريك بينيا نييتو» سلسلة من الأزمات السياسية الحادة على خلفية اختفاء وربما مقتل 43 تلميذاً على أيدى عصابات ترويج المخدرات بالتواطؤ مع السلطات المحلية، فضلاً عما يُشاع عن قضايا فساد تورطت فيها زوجته «أنجيليكا ريفيرا» تتعلق بحصولها على «فيلا» يبلغ ثمنها 7 ملايين دولار من شركة استفادت من عقود حكومية ضخمة. ويضاف إلى كل ذلك أن حكومة الرئيس «بينيا نييتو» تواجه انتقادات حادة بسبب منح عقد بقيمة 3.7 مليار دولار لائتلاف من عدة شركات صينية لتشييد خط قطار سريع يربط بين العاصمة «مكسيكو سيتي» ومدينة «كويريتارو». وأصرّ «بينيا» على توقيع العقد على الرغم من الاعتراض الشعبي عليه خاصة بعد كشف سرّ يشير إلى أن الشركة التي أهدت «الفيللا» لزوجة الرئيس هي إحدى شركات الائتلاف الصيني. وأظهرت استطلاعات رأي حديثة أن 58 بالمئة من المكسيكيين يحملون آراء ومواقف سلبية من الرئيس «بينيا نييتو» حتى أصبح يعد الرئيس ذي الشعبية الأخفض في تاريخ المكسيك. ـ ـ ـ ــ ـ ـ ـ كاتب أرجنتيني متخصص في شؤون أميركا اللاتينية ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. تي. انترناشونال»