هل لدى أحد منا تصور شامل لدور وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في المنطقة الخليجية والعربية في القرن الحالي، وسط كل هذه التحديات السياسية والدينية والإعلامية؟ هل من الحكمة ترك هذه الوزارات في العالم العربي والإسلامي، معزولة وسط إداراتها وموروثاتها وعوالمها الخاصة، التي تنحدر من جيل إلى جيل، ومن حكومة إلى حكومة، بل ومن نظام إلى نظام، دون أن تكون حقاً، في أغلب الأحيان، بؤرة استقطاب أو مركز تجديد في المجتمع؟ منذ عقود مثلاً، والعالم الإسلامي يتعرض لخطر التشدد الديني، ومحاولة «الأحزاب الإسلامية» فرض تصوراتها وبرامجها على مجتمعاته، حتى صارت هذه المؤسسة، إدارة ودعاة، في موضع الدفاع اليائس المضطرب عن النفس، وتعاظمت أدوار الدعاة الجدد، وهيمن المقال الديني المتشدد والشريط والمادة المستخدمة لمختلف أوجه الثقافة الالكترونية، بما في ذلك التعبوية منها والطائفية والإرهابية، فيما لا تملك أغلب وزارات الأوقاف قوة تأثير مقابلة لها، مساوية لها ومضادة في الاتجاه! تدير وزارات الأوقاف العربية والإسلامية ممالك مالية تقدر ربما بالمليارات من الدولارات. ولو كانت مثل هذه الثروة بيد مجموعة حديثة من المؤسسات أو الجامعات أو الشركات الإعلامية لما رأى أحد أثراً للكثير ممن يهيمنون على الإعلام الديني اليوم، ولما وقعنا ضحايا لـ"القاعدة" و"داعش" والإسلام السياسي. تعقد وزارات الأوقاف الكثير من الندوات بين فترة وأخرى، وتبحث العديد من القضايا المهمة، وترفع ما لا يُحصى من الاقتراحات والتوصيات، دون أن يؤثر ذلك كله في حياة المسلمين، أو حتى في الحد من التطرف، وتمول نشاطات دينية لا تغير الكثير في فكر المسلمين. أصدر مركز الأهرام للدراسات والبحوث الاستراتيجية في مصر قبل سنوات تقريراً مشهوراً عن «الحالة الدينية في مصر– 1995»، طُبع عدة مرات، تحدث في صفحاته التي قاربت الـ 400 عن المؤسسات والحركات والجمعيات والعلاقات، ومن بينها بالطبع الأزهر الشريف ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف، التي تعرضت للنقد، حيث جاء فيه: «رغم الإنفاق الهائل للوزارة على مسابقات القرآن الكريم، التي بلغت في عام 1995 ألفا مسابقة على مستوى الجمهورية، وصلت مكافآتها إلى ثمانية ملايين جنيه، وإنشاء مقارئ ومكاتب لتحفيظ القرآن بالمساجد وإنشاء ما يعرف بالمراكز الإسلامية في المساجد لتخريج الدعاة وإنشاء لجان عليا للقرآن الكريم، إلا أن الوعي الديني العام في انخفاض مستمر نظراً للطريقة التي تُعرض بها الثقافة الإسلامية، والتي أصبحت ثقافة تلقين وليست ثقافة تكوين والاعتماد على حفظ القرآن وليس فهمه وتدبر معانيه، والاهتمام بدراسة العقائد وأصول الفقه دون بث روح الاجتهاد والاندماج في الواقع المعاصر، وتوظيف الفكر الديني في خدمة القضايا المعاشة». ربما كانت كل وزارات الأوقاف الإسلامية بحاجة إلى مؤسسات إعلامية أو اقتصادية تقوم اليوم بدراستها من مختلف الجوانب، وتوعيتها بسلبياتها وطرق التخلص من هذه النواقص والعثرات. فما أن يطرح موضوع «التصدي للتعصب والتشدد الديني» أو «تجديد فهم الإسلام» أو «الحد من نشاط الجماعات الإرهابية».. إلا ويتطرق الحديث إلى الدور المتعثر أو المفقود أو الغائب أو غير المقنع.. للأوقاف! وإذا كان العالم الإسلامي مستاء حقاً من الصورة السلبية للإسلام والمسلمين في الإعلام الدولي، فلابد من البحث عن مفاهيم جديدة وعصرية بعيداً عن الأوساط الدينية التقليدية، التي تحتاجها بعض المؤسسات والنشاطات الإسلامية وواجبات الوزارة، ولكن هذه الشخصيات، مع كل الاحترام والتقدير، غير قادرة على التجديد، ولاهي متحمسة لعملية تطوير ستكون هي أولى ضحاياها! لماذا لا يتداعى العالم العربي إلى مؤتمر موسع للتجديد الديني ونقد الذات ومناقشة السلبيات والنظر في الكتابات الإعلامية المضادة في الغرب، أو الناقدة في العالم الإسلامي نفسه؟ بالطبع، ليس كل ما يقوله الإعلام المعارض والنُقاد صحيح، ولكن لا مهرب من دراسة موضوعية وجمع الإحصائيات ودراسة البيانات واستعراض الأفكار الجديدة. بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، يقول الكاتب حسام عيتاني، (صدرت دراسات عن مراكز أبحاث أميركية تحدد العنف كعلة أساسية في الإسلام، ولإحباطها اقترح كُتاب الدراسات خيارات منها إعادة النظر في المناهج الدراسية في عدد من البلدان الإسلامية وتعزيز «قوى الاعتدال» الإسلامي، وذهبت إحدى الكاتبات إلى اقتراح الصوفية كعلاج للإسلام الجهادي). الفكر الديني، في المدرسة والجامع والجامعة والإعلام والمنزل بات بحاجة ماسة إلى رؤى وأفكار جديدة تنسجم مع الواقع الدولي الجديد، حيث نجد المسلمين في كل دولة وكل مكان، ونجد إزاءهم من يصطاد كل هفوة ويركز الأضواء على كل ما لا يتماشى مع ما هو سائد. وقد يزداد وضع المسلمين تردياً وسوءاً. مجتمعات العالم الإسلامي في آسيا وأفريقيا وحتى في بريطانيا وفرنسا والغرب، بانتظار «حركة إصلاحية» واسعة، ربما «بروسترويكا إسلامية»، لا يجرؤ المثقفون والأفراد على الخوض فيها والحديث عنها، ولكن قد تستطيع المؤسسات الإسلامية أن تضع لها بعض الأطر.. على الأقل. نحن بحاجة إلى تحديث وتجديد وزارات الأوقاف! كاتب ومفكر- الكويت