يختلف احتفالنا بذكرى اتحاد دولتنا عن كثير من احتفالات الشعوب الأخرى، لأن ظروفنا تختلف عن ظروف الآخرين، فمعظم الشعوب العربية تحتفل بيومها الوطني احتفاءً وافتخاراً بطرد مستعمر احتل الأرض لفترة من الوقت، واغتصب خيراتها، وهيمن عليها، لكننا نحتفل بإنشاء دولة جديدة، وباتحاد إمارات متفرقة عانت من الإهمال والعزلة، وكانت كل منها تواجه مخاطر الاستهداف منفردة وبإمكانات محدودة.. لنصنع منها دولة عصرية مؤمنة برؤيتها وبحتمية بقائها. وصناعة دولة من العدم ليس بالعمل اليسير، فالمجتمعات القبلية كانت تحتاج على الدوام تأهيلاً ومراناً للتعاطي مع حقيقة الدولة وسيادة القانون، وبناء المؤسسات والوزارات والدوائر. وكل ذلك كان يحتاج إمكانات مالية ضخمة، وكادراً بشرياً متعلماً يساهم في عملية التأسيس، وفي وقت كان فيه المتعلمون المؤهلون من أبناء الدولة الناشئة لا يكاد عددهم يكفي لتولي المناصب الرئيسية في بضع مؤسسات سيادية، وكانت الدولة تحتاج سفراء في الخارج، وتحتاج بناء جيش قوي. تحديات كثيرة جعلت أكثر المراقبين تفاؤلاً، ينظر لتجربتنا لدى انطلاقها باستغراب واستهزاء، لكننا مضينا رغم ذلك غير عابئين بالعقبات والمطبات، ولم نلتفت لدول حاولت تعويقنا حتى قبل ساعات من إعلان الاتحاد، ولا أخرى ساومت على الاعتراف باتحاد لم تؤمن به.. بل قبلنا التحدّي، وقررنا تحريك عجلات الدولة. ودولة الإمارات الحالية، والتي أدهشت القاصي والداني واحتلت مكانتها الريادية في سباق النهضة، لم تبلغ الخمسين عاماً بعد، وهي فترة زمنية تعدّ أقصر من العمر الطبيعي للإنسان العادي فما بالك بالدول. لكن لو قورن ما أنجزته دولة الإمارات خلال هذه الفترة الوجيزة، بما أنجزته أيّ دولة أخرى في العالم، فستظهر النتيجة واضحة غير قابلة للشك. لذلك بات العديد من الشعوب تزورنا لتستلهم من تجربتنا ما يعينها على النهوض ببلدانها. لم نلتفت للعقبات، وتمكنا من إثبات أنفسنا في البرّ والبحر والجو، ومن الفوز باحترام الآخرين، وحققت دولتنا أفضل رقم في رفاهية المواطن الذي لايزال وسيظلّ الركيزة الأولى للبناء، والركيزة الأهم في مسيرة النهضة. وبعدما كان المؤسسون طيّب الله ثراهم، يقفون في بدايات التأسيس أمام عقبة ندرة الكادر المتعلم، ها هي الدولة خلال 43 عاماً فقط، تعجّ بالكادر المؤهل والمتسلّح بالتعليم والخبرة، وها هم أبناؤها يقودون النهضة، وشعار كل واحد منهم: «إماراتي وأفتخر». إنجازات الإمارات خلال هذا العمر القصير أشبه بالمعجزة، وهي إنجازات ما كانت لتتحقق لولا توحّد اللحمة الداخلية على نحو عجز المستهدفون عن فصله، بين قيادة رشيدة نذرت حياتها لسعادة شعبها، وشعب يهبّ للدفاع عن الوطن مستجيباً لندائه الداخلي، إذ في أعماق كل مواطن توجد رابطة لا تنفصم عراها في حبّ الوطن والقيادة. والإرهاب الذي ننازله في مختلف الساحات، ننازله بإيمان وعقيدة، فالحرب بيننا وبينه حرب لن تنتهي سوى بنهايته، لأنه أصبح الآن وبعد كل الشواهد التاريخية مكشوفاً للجميع، فالإمارات التي شهد الجميع ببسالة طيّاريها من عيال وبنات زايد، كانت أول من حذّر العالم من خطر الإرهاب، لكنها واجهت ذات الموقف الذي واجهته عند قيامها، فعندما جاهرت بنية الاتحاد شكك البعض في ذلك، وفي النهاية آمن الجميع بما أعلنته حينما صارت دولة قوية ومستقرة وناهضة على أرض الواقع، وها هو ذا البعض يكرر ذات الخطأ، ويتعامل مع التحذير الإماراتي بلا مبالاة، وها هي ذي نتائج تحذيرات الإمارات تتجلّى مرة أخرى واقعاً على الأرض، وقد كان بإمكان العالم القضاء على النار من شرارتها الأولى. وها هي الإمارات التي أثبتت أنها حضارة إنسانية شاملة، احتضنت كل ملل الإنسانية، تدخل في التحالف العالمي الذي يستهدف القضاء على إرهاب «داعش»، بغية الحفاظ على استقرار المجتمعات، وسعادة العالم الإنساني برمّته، وهي من الثوابت التي تفسرها لنا مشاركات الدولة، الإنسانية والإغاثية، في كل مكان من العالم.