من الواضح أن قوى الإسلام السياسي في الخليج تريد التمتع الديمقراطية اليوم قبل الغد، لدرجة يسيل معها لعابها لمجرد تخيل الصناديق الانتخابية، ولدرجة أنك تسمعها تردد: قال الله.. قال الرسول.. قالت الديمقراطية! وهذا مفهوم بالنسبة لجماعة «أعطني الديمقراطية ثم اغرب عن وجهي!»، لكن الغريب دعوات بعض النخب المدنية بالتحول الفوري إلى الديمقراطية، وسخريتها من فكرة تأجيل الديمقراطية إلى حين ارتفاع الوعي الشعبي، حتى إن شكوكاً تُثار حولها بأنها تنتمي للإسلام السياسي، لكنها تتستر بالمدنية للتقليل من مخاوف غير الإسلاميين، ولإيصال أصواتها إلى الآذان الغربية التي لا ترى أصواتها نشازاً. أعتقد أن المشكلة تكمن في تصوّر العملية الديمقراطية بأنها مثل إنشاء مصنع لإنتاج سيارات «رنج روفر»، فكل المطلوب أن نستورد مكائن التصنيع من بريطانيا، ونبعث مهندسينا إلى هناك لينخرطوا في التدرّب على التشغيل والصيانة، ثم نتقيّد حرفياً بالكتيّبات الإرشادية تحت إشراف الخبراء الإنجليز، لتدور عجلة التصنيع من هنا، ونصفق عند نهاية خط الإنتاج بينما «الرنجات» تخرج الواحدة تلو الأخرى. الديمقراطية طريقة حكم يشارك فيها جميع المواطنين المؤهلين، مباشرة أو من خلال ممثلين عنهم منتخبين، في استحداث القوانين الخاصة بأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.. إلخ، على ألا تخالف تلك القوانين الدستور، الذي بدوره يشاركون هم أنفسهم في التصويت عليه، إذ لا يمكن أن تفرض دولة ما على شعبها الدستور الفرنسي مثلا، ولا يمكن فعل أي شيء إذا قررت الأغلبية دستوراً، ومن ثم قانوناً، مهما كان ظلامياً ومتخلفاً. وللتوضيح أكثر، لا يمكن لمصنعنا إهمال كتيّب الإرشادات الإنجليزية واعتماد كتيّب آخر؛ إذا كنا نريد الحصول على السيارات ذاتها التي يصنعها المصنع البريطاني، ولا يمكن للمهندس الخليجي أن يركن خبير «الرنج» الإنجليزي «على جنب»، ويشغل المكائن بالطريقة التي تناسبه، لكن يمكن للأغلبية أن تستبدل قيماً متخلفة بالقيم التي تقوم عليها الديمقراطية، وليست هناك قوة على الأرض تستطيع منعها من فعل ذلك، وإلا ما معنى «حقهم في الاختيار»؟! العملية الديمقراطية ليست مكائن تصنيع سيارات، لا يمكن تغيير «برغي» واحد فيها، أو استبدال أجزائها بأجزاء لمكائن غسالات ثياب أو حتى لمكائن تصنيع سيارات من أنواع أخرى، وإنما هي عجينة غربية المصدر (مهما خدعنا أنفسنا بالكلام عن المصدر الواحد للديمقراطية الغربية والشورى الإسلامية)، لكن يمكن للأغلبية تشكيل تلك العجينة الغربية المصدر كما تشاء، وبما تراه مناسباً ومتوافقاً مع شرائعها المقدسة، وأعرافها وتقاليدها، حتى البالية منها ما دامت تفرض وجودها، وذاكرتها الشعبية، وروحها، ووعيها، وعقلها الجمعي، واقتصادها، وثقافتها، وتصورّها لما يدور في العالم من حولها، وما هو خط أحمر بالنسبة لها، وما هو دون ذلك. حين انهارت الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية، قررت شعوب تلك الدول استيراد ديمقراطية جيرانهم الغربيين، وأخذوا في تطبيقها كما هي، لكن هل يمكن تخيل حدوث ذلك مع الشعوب الخليجية؟! هل الأغلبية تقبل بالديمقراطية الغربية، وليس فقط الصناديق الانتخابية الجميلة؟! هل هناك إجابة من أرض الواقع؟