جزء من هذه الملاحظات التي تتناولها هذه السطور جاء في إطار نقاش موسع في مؤتمر عقد في جامعة بير زيت مؤخراً حول المكانة السياسية والاستراتيجية لقطاع غزة. وهي ملاحظات جاءت ضمن ورقة تتناول بعض جوانب المأزق الذي تواجهه حركة «حماس»، على ثلاثة مستويات: داخلي ووطني وإقليمي ودولي، كما تناولت ضرورة إطلاق مشروع مراجعات معمق بشأن الممارسة والفكر والسياسة التي تتبعها «حماس». يصعب تلخيص كل النقاش في هذه المساحة المحدودة، لذلك نخصصها لآراء ومراجعات طرحها أحمد يوسف، أحد قيادات «حماس» التي تتصف بجرأة على رفع الصوت بضرورة إجراء مراجعات جذرية، وقد نشرها في دراسة بعنوان «في أفق المراجعات: استراتيجيات ما بعد الحرب على قطاع غزة: حماس والحاجة إلى مقاربات سياسية وأيديولوجية جديدة». ينطلق يوسف في ورقته من تقديرات عدة منها أن «خروج الحركة من الحكم، ومغادرة مواقع المسؤولية، يعطيها إمكانية التفرغ لإجراء مراجعات في الفكر والأداء.. وإن أداء الحركة في الحكم لم يكن على المستوى المطلوب والمأمول. وإن تعاملها مع الآخر لا يدل على وجود حيوية في تفكيرها، وتجديد في وسائلها وأساليبها. وإن تعاطيها مع المتغيرات المحلية والعربية والدولية لابد من مراجعته.. إن النظام الانتخابي الداخلي، وطريقة الترشح وشروطه، لابد من مراجعتها وإعادة النظر فيها». تشير هذه المقاربة إلى جوانب من المأزق الذي تعيشه «حماس» على المستويات المختلفة، ويقدم يوسف مقترحات مباشرة وجريئة برسم التفكير والمراجعة والتبني، ويؤسس لها ويناقشها بتوسع، في عناوين رئيسية يمكن إجمالها في ما يلي: - مناقشة موقع العمل العسكري والوصول إلى طرح اقتراح تجميده لفترة زمنية محددة، بهدف التقاط النفس وتوفير الفرصة لإعادة بناء القطاع والإجماع الوطني. - مواصلة نقاش فكرة التفاوض المباشر مع إسرائيل، فـ«ملف التفاوض هو باب يجب أن يبقى موارباً؛ لأننا سوف نحتاج إليه طالما بقي الوضع الفلسطيني تحت الاحتلال، لكن أي تحركاتٍ في هذا الاتجاه تستلزم الوضوح والصراحة والاتفاق». - العمل على إعادة العلاقات مع مصر وإيران ودول الخليج، مع مواصلة تعزيز العلاقة مع قطر وتركيا. - على مستوى المشروع الوطني يعيد أحمد يوسف طرح فكرة الدولة الواحدة ويدعو «حماس» لتبني هذا الخيار. - وعلى المستوى الوطني السياسي يقدم يوسف طرحاً يقوم على خوض أي انتخابات فلسطينية تشريعية قادمة على أساس الشراكة السياسية مع القوى الأخرى وخاصة «فتح». أي أن تخوض الحركتان الانتخابات ضمن قائمة انتخابية واحدة توافقية وليست تنافسية، بما يضيق مجالات الكيد السياسي وإفشال الطرف الآخر في حال الاستئثار بالفوز. - وعلى نفس المستوى أيضا، يدعو يوسف حركة «حماس» إلى دعم سلام فياض كرئيس قادم في أية انتخابات رئاسية (في حال عدم ترشح أبومازن)، ويعدد مزايا فياض وأهليته للرئاسة وفرص توفر إجماع وطني عليه. - وحول الموقف من عباس، يدعو يوسف إلى دعم خطته الرامية إلى الانضمام للمنظمات الدولية وتعزيز موقفه وعدم تعطيله، ومنحه حرية التحرك وشرعيته؛ كونه رئيسا لكل الشعب الفلسطيني. - ويطالب يوسف «حماس» بالخروج من شرنقة الحزب الإسلامي إلى فضاء العمل الجبهوي مع الأطراف الوطنية الأخرى اعتماداً على مبادئ الشراكة السياسية والتوافقات الوطنية. - يدعو يوسف «حماس» إلى النظر في تغيير ميثاقها الذي أصدرته عام 1987 لأن ممارسات الحركة وسياساتها قد تجاوزت ذلك الميثاق، وبسبب استغلاله من قبل إسرائيل ولما فيه من طروحات تحرف عدالة قضية فلسطين عن مسارها. مراجعات وطموحات أحمد يوسف، ونداءاته تتسع أيضاً لتشمل الخطاب الإعلامي وضرورة التزام المهنية والبعد عن الشعبوية، وإعادة صوغ العلاقة مع الغرب، والابتعاد عن كل ما له علاقة بـ«القاعدة» و«داعش» فكرياً وعملياً، وتفادي المبالغة في الاحتفاليات الحزبية المستفزة، وكثير غير ذلك. لكن ليس من المتوقع أن تستمع «حماس» لنصائح ومراجعات أحمد يوسف، لكنها أفكار في غاية الأهمية، وعلى العقلاء في الحركة تأملها والانصات لصوت العقل الذي تدعو له والأخذ بمعظمها إن لم يكن كلها.