باراك أوباما هذا الرئيس الذي تلقى صفعة انتخابية قاسية قبل أسبوعين، أكمل جولته الآسيوية في جو بدا فيه وكأن قيادته للعالم لا تشوبها شائبة. ولقد اعتادت الأمة الأميركية وسياسيوها منذ الحرب الباردة على الثقة بالريادة الأميركية للحضارة الغربية كلها. ولم يكن الحلفاء وحدهم هم الذين يحسبون لها ألف حساب، بل الأعداء أيضاً. والأميركيون هم القادة الذين صنعوا القرارات التي تُرشد العالم أجمع إلى الطريقة التي يجب عليه أن يعمل بموجبها. ولقد حدث هذا حتى عندما كانت هذه القرارات لا تتطابق مع ما تعلموه من خبراتهم الخاصة. ولقد وقع الرئيس على اتفاقية الانبعاثات الكربونية مع الصين. ثم ذهب إلى «ميانمار» على أمل أن يتمكن من منح ميدالية النجمة الذهبية لزعيمة المعارضة «أونج سان سو كي»، إلا أنه وجد من الضروري توبيخ الجنرالات الذين يمسكون بزمام السلطة في البلاد وحثّهم على ضرورة التعامل على نحو أفضل مع القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان. يحدث هذا في وقت تكثر فيه الأحاديث حول قيام قوات الأمن في ميانمار بترحيل الأقلية المسلمة وطردها خارج الوطن. وعلى هامش المناقشات التي شهدتها قمة العشرين في أستراليا، التقى أوباما ديفيد كاميرون الذي يبدو وكأنه توني بلير الجديد لكثرة ترديده الحرفي للتصريحات الصادرة عن وزارة الخارجية الأميركية، ووجها معاً رسالة دافئة إلى فلاديمير بوتين أشارا له فيها إلى أن عليه أن ينفذ ما طُلب منه فيما يتعلق بأوكرانيا وإلا فسوف يواجه المزيد من العقوبات. ووجه ستيفن هاربر رئيس وزراء كندا بدوره رسالة إلى الرئيس الروسي تنطوي على الإهانة، قال له فيها: «أعتقد أنني سأصافحك إلا أن هناك شيئاً واحداً أقوله لك. ارحل عن أوكرانيا». وكررت الدول الخمس المتحالفة والمعروفة باسم «الآذان الخمس» بسبب ارتباطها بعلاقات تعاون تجسسية وهي: الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا ونيوزلندا وأستراليا، ذات الخطاب الموجه إلى بوتين. ويبدو أن أوباما كان سعيداً بمنح النجوم الذهبية للجميع. وحملت الكلمات الأخيرة في رسالة أوباما إلى بوتين شيئاً من النفاق والمداهنة عندما قال له: «نحن نلتقي على الحاجة للامتثال للمبادئ الدولية، وأحد تلك المبادئ يقول إن عليك ألا تغزو بلدان الآخرين، وأن تقسم بلداً يحضر نفسه لإجراء انتخابات ديمقراطية». فهل يمكن أن تكون حكومة أوباما قد خَلَت من أي إنسان يتحلى بالشجاعة الكافية لأن يقول له إن وزارة خارجيتك الأميركية هي التي رتبت لإطلاق انتفاضة كييف في شهر فبراير الماضي ضد الرئيس الأوكراني المنتخب حتى ولو كان متهماً بالفساد؟، أليست هي ذاتها التي أشرفت على ترتيب الانقلاب الذي حمل «أرسيني ياتسينيوك» إلى منصب رئيس الوزراء؟. والصحيح في هذه القصة هو أن الانقلاب الذي ترعاه واشنطن حدث قبل أن يدخل أي جندي روسي إلى أوكرانيا، وقبل أن تفكر أي من الحكومتين الأوكرانية أو الروسية بأن من الممكن أن يعمد بوتين إلى ضم شبه جزيرة القرم على سبيل الانتقام. ولو شاء أوباما لكان في وسعه أن يقرأ القصة الكاملة لهذه القضية في مقال نشرته «دورية العلاقات الخارجية»، وهو بقلم المؤرخ الكبير «جون ميرشايمير» من جامعة شيكاغو أو المقالات التي كتبها الخبير في الشأن الروسي ستيفن كوهين في دوريات ومطبوعات أخرى. وكان في وسعه أيضاً أن يطالع اللقاء الصحفي الذي نشر على موقع إلكتروني يوم 9 نوفمبر الماضي الذي أجراه الموقع مع «راي ماكفرن» الذي يبلغ 27 عاماً من عمره، وهو عميل لوكالة المخابرات المركزية والناطق اليومي باسم الرئاسة خلال حكم إدارتي رونالد ريجن وجورج بوش. وشرح ماكفرن في اللقاء كيف بدأت القصة في اجتماع لأعضاء حلف شمال الأطلسي «الناتو» عقد في العاصمة الرومانية بوخاريست في شهر أبريل من عام 2008 وحيث تقرر العمل على ضم أوكرانيا وجورجيا إلى الحلف. وسبق أن أعطي الضوء الأخضر لتنفيذ عملية جورجيا في ذلك العام ولكنها فشلت. ونظراً لأنني أعلم كيف أعطى الأعضاء الغربيون في «الناتو» موافقتهم على إطلاق العمليات السرّية لإطاحة الحكومة الأوكرانية السابقة، صعقتني الأخبار الواردة من «بريسبن» بسبب سذاجتها، خاصة عندما واصلوا حملتهم لتوبيخ بوتين بسبب ما أطلقوا عليه تعبير «الغزو الروسي لأوكرانيا». ولحسن الحظ، بدا وكأن العديد من الدول الأوروبية لم تستوعب هذه القصة. وتقود هذه الدول ألمانيا ومستشارتها أنجيلا ميركل التي راحت تتعامل مع بوتين على أساس أنها تريد إقامة عهد للسلام معه بدلاً من إقامة عهد من الحرب. ــ ــ ـ ــ محلل سياسي أميركي ــ ـ ـ ـ ـ ينشر بترتيب خاص مع خدمة «تريبيون ميديا سيرفس»