ليس جورج سوروس الصوت الوحيد الذي يحذّر اليوم من «خطر روسيا» على الغرب وعلى الديمقراطية. فهو وغيره من الكتّاب والسياسيّين في أوروبا والولايات المتحدة ينطلقون مما يجري في أوكرانيا ليقولوا إن روسيا بوتين خطر على الغرب متعدد الأبعاد، وذلك بعد انقضاء ربع قرن على انتهاء الحرب الباردة وقيام وحدة أوروبا بشطريها الشرقي والغربي. فهي، من جهة، خطر ثقافي لأنها تعمل على إحلال القوة كوسيلة في التعامل الدولي محل الدبلوماسية بوصفها وسيلة التعامل بين الدول الأوروبية في زمن ما بعد الحرب الباردة. وهي، من جهة أخرى، خطر اقتصادي بسبب ثروتها الهائلة من الغاز الطبيعي واعتماد بلدان كثيرة في أوروبا الوسطى والغربية على صادراتها منه. وما يفاقم هذا الخطر أن الدولة الروسية تتحكم تحكماً تاماً بالتبادل التجاري في هذا المجال الاستراتيجي. أما عسكرياً، فالمسألة تبدو أعقد قليلا: فبوتين، ورغم تزايد إنفاقه على التسلح والعسكرة في الأعوام الأخيرة، لا يزال مضطراً لعبور مسافة طويلة جداً كي يصل إلى مستويات الإنفاق في العهد السوفييتي. وهذا يعني أن روسيا لن تستطيع خوض حرب أخرى، على نطاق عالمي، خصوصاً أنها لم تعد تملك الأيديولوجيا التي تناطح بها الديمقراطية الليبرالية، كما كان الحال في العهد السوفييتي. لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن روسيا بوتين تشكّل خطراً إقليمياً كبيراً في نطاقها الجغرافي. وإذا كانت أحداث جورجيا تظهر ذلك بوضوح، فهو يعني إعاقة الانسجام الأوروبي والحد من موجة الدمقرطة في شرق القارة، كي لا نضيف إزعاجات أخرى مثل الحماية الروسية لنظام بشار الأسد في مجلس الأمن. لهذا يقول المحذّرون الغربيون من الأخطار الروسية الراهنة إن الحاجة إلى إعادة تمتين الرابطة الأطلسية هي اليوم أقوى من أي وقت مضى. فبسبب التحدي الروسي لم يعد الوضع الغربي يحتمل أي تنافر كذلك الذي عرفته العلاقات الأميركية مع ألمانيا وفرنسا إبان حرب العراق (2003). بيد أن ما تطرحه مقالات ومواقف أوروبية وأميركية لسياسيين ومثقفين وصناع رأي، إنما تصطدم بحقيقة أساسية. فهناك اليوم قائدان يختلفان في كل شيء تقريباً: بوتين وأوباما. أولهما يحاول تحويل الانتصار الصغير الذي يحققه إلى انتصار أكبر، من غير أن تحول الهزيمة التي يتلقاها دون محاولته تكرار التجربة وقلب الهزيمة إلى انتصار. أما ثانيهما فيتحاشى كل مواجهة ويعجز عن استثمار انتصاره، في حال تحقيق انتصار، بينما لا تدفعه الهزيمة إلى محاولة الرد عليها وقلبها إلى انتصار. ووراء هاتين الشخصيتين وسلوكهما، يكمن موقفان أيديولوجيان يصطبغان بمقدمات شخصية وسيكولوجية. فبوتين، رجل المخابرات السوفييتية السابق، مهجوس باستعادة ما يعتبره عظمة روسيا السوفييتية، وقد اعتبر ذات مرة أن نهاية الاتحاد السوفييتي كانت الكارثة الأعظم خلال القرن العشرين. لذلك فالبرامج التربوية والتعليمية في روسيا بوتين تقدم ستالين بوصفه بطلاً عظيماً من أبطال الأمة، متجنبة كل إشارة إلى فظائع عهده. وفي المقابل، يمثل أوباما نزعة التخلّص من معالم القوة الأميركية وعلاماتها. فقد دخل حلبة التنافس الرئاسي بوصفه معارضاً لحروب بوش في أفغانستان والعراق، منكبّاً على معالجة الأوضاع الاقتصادية المتردية بفعل أزمة 2008 المالية. ودائماً كان أوباما حريصاً على التوصل إلى إجماعات عريضة، داخلياً وخارجياً، متجنباً كل ما يمكن تأويله على أنه تطرف. ورغم الإجراءات العقابية التي اتُخذت مؤخراً ضد روسيا، بسبب الأحداث الأوكرانية، لا يزال الكثيرون من نقاد الرئيس الأميركي يأخذون عليه عدم استخدام السلاح الأنجع: فإذا كانت شيوعية الاتحاد السوفييتي تضعه خارج السوق العالمية وتحصّنه حيال التأثر بها، فإن روسيا بوتين لا تملك إلا أن تتأثر بهذا السلاح الذي يؤثر أوباما أن لا يستخدمه إلا بالحد الأدنى. وإذا كانت تلك الميول الأوبامية في كسر الإمبراطورية تستقطب من العواطف النبيلة ما لا تستقطبه الميول البوتينية الإمبراطورية، فإن وضع الندى في موضع السيف لا يقل ضرراً عن وضع السيف في موضع الندى، على ما أخبرنا المتنبي. فهل تؤول الانتخابات النصفية الأميركية إلى تعديلٍ ما يستحضر شيئاً من التوازن المفقود، والمطلوب؟