ليس مألوفاً أن يكتب الأبناء سيرة آبائهم، وبالأخص إذا كانوا رؤساء أو قادة دول، والأندر من ذلك أن يكون الكاتب وصاحب السيرة معاً رئيسان. لكن جوج بوش الابن خرج على المألوف في كتابه «41 صورة عن والدي»، والذي ضم بين دفتيه تجربة والده الرئيس الأسبق جورج بوش الأب. إلا أن الكتاب، وخلافاً لكتب السيرة التي تتعقب المشوار السياسي لصاحبها وتسلط الضوء على تفاصيل مفقودة، يبتعد عن الدور السياسي لبوش الأب، مقدماً عرضاً هو أقرب إلى تصور الابن عن الوالد الذي يخلو من الانتقاد، أو عرض الحقائق المجردة، بل يغوص الكتاب أكثر في استعراض الجانب الشخصي المشحون بالعاطفة التي يكنها الابن لوالده، وهي حقيقة لا يسعى المؤلف لإخفائها، فهو منذ البداية يشبه الكتاب «بقصة الحب» التي دبجها، ليس فقط بحق رئيس سابق للولايات المتحدة شاءت الصدف أن تجمعه مع المؤلف آصرة الأبوة، بل كوالد ظل حاضراً في محطات مختلفة من حياة الابن عندما تولى هذا الأخير منصب الرئاسة وقبل ذلك عندما كان حاكماً لولاية تكساس. لكن رغم نزوعه للابتعاد عما هو سياسي وجدلي في حياة الأب، سواء تعلق الأمر بحرب تحرير الكويت، أو تعامله مع انهيار جدار برلين، بل حتى ذلك الحدث الحساس الذي أحدث جرحاً في عائلة بوش والمتمثل في عدم انتخاب بوش الأب لولاية ثانية.. لم يستطع الابن وكاتب السيرة وقف المقارنات بينه وبين والده. وهكذا، وفيما عُرف عن الأب المنحدر من ولاية «نيوإنجلند» في الشمال الشرقي لأميركا بتصرفاته الحصيفة والحريصة على التوافق وعدم التمرد، والتي انعكست لاحقاً في دبلوماسيته الهادئة، عُرف بوش الابن بطريقته المباشرة في الحديث وأحياناً أسلوبه الفظ سيراً على عادة سكان تكساس في الجنوب الأميركي. وبينما استند بوش الأب في بلورة سياسته الخارجية على الواقعية السياسية والاعتدال الجمهوري، مال الابن إلى أيديولوجية «المحافظين الجدد» التي كان من تداعياها حرب العراق ومحاولات أخرى فاشلة لتغيير أنظمة وإعادة تشكيل الشرق الأوسط. ويبدو أن بوش الابن، وعلى امتداد صفحات الكتاب، سعى لدحض تلك الفكرة التي راجت خلال سنوات رئاسته، والقائلة بأنه فقط حاول تعويض فشل والده في البيت الأبيض وتجنب الأخطاء التي ارتكبها. فإذا كان بوش الأب قد هزم صدام حسين وأخرجه من الكويت دون أن يدخل بغداد ويسقط نظامه، فإن الابن أكمل المهمة وأطاح بالديكتاتور، وهو أمر نفاه بشده في الكتاب، موضحاً أن العامل الأول الذي كان يحركه هو «الدفاع عن الولايات المتحدة وليس استكمال أية مهمة أخرى». كما حاول استبعاد المقولات التي ذهبت إلى أنه كان دائم التشاور مع والده، وأن قرار غزو العراق كان جزءاً منه، حيث أكد الابن أن قرارات حاسمة من قبل استخدام القوة والتدخل العسكري في الخارج هي من اختصاصات الرئيس وحده، لكن ذلك لم يمنع بوش الأب من التعبير عن مخاوفه من غزو العراق بطريقة غير مباشرة، حيث أوعز لمستشاره في الأمن القومي وصديقه المقرب، برينت سكوكروفت، إلى كتابة مقال رأي في صحيفة «وول ستريت جورنال» حذّر فيه من «تداعيات الغزو على الحرب ضد الإرهاب». وفي جميع الأحوال، ركز بوش الابن في كتابة سيرة والده على الجانب العاطفي، وعلى ذلك الاحترام المفترض بين الابن وأبيه، نافياً أن يكون العمل السياسي لكليها قد أثر على علاقة ظلت متميزة لا تشوبها شائبة على امتداد منعرجات رئاسة الأب القصيرة وهزات رئاسة الابن الأطول والأكثر جدلاً. زهير الكساب الكتاب: 41 صورة عن والدي المؤلف: جورج بوش الابن الناشر: كراون تاريخ النشر: 2014