ظهرت الدعوات للحوار بشكل أكثر كثافة بعد اعتداءات 9/11، وشكلت المعلم الأبرز في المشهد العربي العام، من منطلق أن «ثقافة الحوار» هي المخرج من أمراض التطرف والعنف، وكون غيابها هو الذي أتاح لثقافة الكراهية أن تزدهر. وازدحمت الساحة بالمؤتمرات الحوارية على امتداد السنوات الماضية، فهل تحققت «ثقافة الحوار»؟ إننا نقصد بثقافة الحوار شيئاً آخر غير الدعوات للحوار، فهناك حوارات كثيرة بين الشرق والغرب، بين العرب وأميركا، بين الإسلام والأديان الأخرى.. ولا يخلو بلد عربي من لقاء حواري.. ومع كل ذلك أتصور أنه لا وجود الآن لثقافة الحوار! المقصود بثقافة الحوار هو «قبول الآخر» بما هو عليه من اختلاف، واحترام التعددية، الدينية والمذهبية والسياسية، وتفعيل قيم التسامح ونقد الذات، والاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه. لكن ثقافة مجتمعاتنا السائدة تميل إلى ذم الاختلاف، ووصم المختلفين بتُهم شتى.. وكل ذلك سوء فهم، فالقرآن الكريم مع مشروعية الاختلاف، بل وضرورته: «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم». يقول المفسرون: خلقهم ليختلفوا ويتنافسوا إعماراً للأرض، وإثراءً للحياة. فالقرآن جعل الاختلاف حقيقة كونية وإنسانية، والله يقول: «إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون». ثقافة الحوار تؤسس لحرية الاختلاف كشرط وجودي، وهي تعصمنا من الاختلاف المذموم وتجعله محموداً، وتعلمنا كيف ندير الاختلاف بما يجعله مثرياً ومبهجاً وأداةً للتفاعل الحضاري الخلاق. أما عن مقومات ثقافة الحوار فأهمها: (1) انشغال الذات بعيوبها وليس عيوب الآخر. لقد أمرنا القرآن بالعدل والإنصاف مع الخصم ولو كان عدواً: «ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا». (2) التوافق المجتمعي على إخراج الدِّين من ساحة الصراعات السياسية، إذ ليس من حق طرف الادعاء بأن فهمه الديني هو الفهم الصحيح الذي يجب فرضه على الجميع، وليس من حق أي طرف إذا وصل إلى السلطة، أن يسعى لتغيير هوية المجتمع والدولة، فالإسلام دين الجميع، وهو أكبر وأرحب وأعظم من أن يختزل في تفسير أو اجتهاد معين. (3) ضرورة الاتفاق على ضمان حياد الدولة، دينياً ومذهبياً، أمام كافة مكونات المجتمع، فهي دولة المواطنين جميعاً، لا تنحاز لطائفة دون أخرى. (4) تعميق وترسيخ وتفعيل مفهوم المواطَنة، كرابط يعلو على كافة الروابط الأخرى، الطائفية والقبلية والمذهبية والدينية.. وترجمته عبر إجراءات وتدابير وخطط تحقق عدالة الفرص بين المواطنين جميعاً. (5) تجفيف الينابيع المغذية لشجرة التعصب، الديني والمذهبي والقبلي والجنسي، بإعادة النظر في المفاهيم السائدة، وما تبثه المنابر الدينية والإعلامية من فتاوى متشددة وتصريحات مشككة في معتقدات الطوائف الأخرى، وذلك بتبني استراتيجية ثقافية تلتزم بها كافة المؤسسات المجتمعية وجميع التيارات والجماعات. (6) السعي الجاد لتفعيل منظومة الحوار الداخلي بين المكونات والفصائل والتنظيمات، دون إقصاء أو تخوين أو تكفير أو تجريح أو تفسيق. (7) إخضاع كافة المنظومات المجتمعية، الفكرية والسياسية والثقافية والدينية والإعلامية والتشريعية، للمراجعة والنقد والتقويم، وصولا إلى مواطن الخلل، مصداقاً لقوله تعالى «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم». (8) ترسيخ الإيمان بشرعية الاختلاف، في المعتقد الديني والسياسي والفكري، باعتبارها ذلك إرادة إلهية، عبّر عنها القرآن الكريم بقوله: «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم». وختاماً، فإن الاعتراف بـ«شرعية الاختلاف» هو الضمانة الأساسية لتفادي الصراعات الدموية، وكافة أشكال الإقصاء والقمع والتكفير والتخوين، وهو العامل الأقوى لتحصين مجتمعاتنا من أمراض التطرف والإرهاب.