يبدو أن الرئيس السوري بشار الأسد احترف لعبة البقاء في السلطة، فقد رد على اقتراح المبعوث الأممي إلى سوريا، «ستافان دي ميستورا»، حول إقامة ما أسماه «مناطق مجمدة» يتم فيها تعليق النزاع والسماح بإيصال المساعدات الإنسانية، قائلًا إنه اقتراح «جدير بالدراسة». وهناك تخوف مشروع من استغلال القوات الحكومية السورية لهذه الاتفاقات لتحقيق مكاسب عسكرية، كما حدث أحياناً في الماضي. لكن ما الجدوى من الخطة الدولية الجديدة بسوريا؟ هل بدأ المجتمع الدولي التفكير في إمكانية الوصول إلى حل للأزمة السورية من خلال التعاون مع الأسد بدلاً من اتخاذ موقف ضده؟ وما هو مصير الأفكار السابقة حول عملية الانتقال السياسي؟ وهل تقادم عليها الزمن ليصبح الأسد جزءاً من الحل السياسي للأزمة السورية؟ لقد توصل المجتمع الدولي، وبعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الاحتجاجات في مارس 2011، وتصاعد وتيرة أعمال العنف وتحولها إلى حرب أهلية ووصول القتال إلى دمشق وحلب، إلى نتيجة مفادها أن الحل السياسي فقط هو الذي يمكن أن يؤدي إلى إنهاء الصراع في سوريا. لقد أخفقت وساطة جامعة الدول العربية والأمم المتحدة في وقف إطلاق النار وبدء حوار بين النظام السوري والمعارضة. ففي يناير 2014، عقت الولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة مؤتمراً في سويسراً لتطبيق إعلان جنيف 2012، وهو اتفاق تم التوصل إليه بمساندة دولية، يدعو لتشكيل حكومة انتقالية في سوريا تحظى برضا متبادل، إلا أن محادثات «جنيف2» سرعان ما انهارت في فبراير بعد جولتين فقط. وقال المبعوث الأممي الخاص آنذاك، الأخضر الإبراهيمي، إن الحكومة السورية رفضت إجراء مناقشات بشأن مطالب المعارضة، وأصرت على التركيز على قتال «الإرهابيين»، وهو مصطلح تستخدمه دمشق لوصف جماعات المعارضة. ومن ثم طرح المبعوث الأممي الخاص الجديد ستيفان دي ميستورا، والذي تم تكليفه من الأمين العام للأمم المتحدة بمهمته في يوليو الماضي، مقترح إنشاء سلسلة من «المناطق المجمدة»، يتم فيها تعليق النزاع والسماح بإيصال المساعدات الإنسانية. وبدء التفاوض بشأن وقف إطلاق نار في مدينة حلب للسماح بدخول مساعدات للمناطق المحاصرة. ويدرك المتابعون للشأن السوري أن الرئيس الأسد يحترف التسويف السياسي وتفريغ المبادرات والمقترحات من محتواها بإغراقها بالتفاصيل حيناً، وبالتركيز على المسميات والشكليات، متبعاً سياسة النفس الطويل التي اشتهر بها والده الرئيس السابق حافظ الأسد. لم يرفض بشار الأسد، ومنذ بدء الأزمة، أية مبادرة دولية سواء حملها عنان أو الإبراهيمي أو أشرفت عليها القوى الدولية، لكنه نجح في تفريغ المبادرات الدولية من محتواها ومن ثم إفشالها، لذلك لم تتحقق عملية الانتقال السياسي السلمي التي سبق أن تبنتها مبادرة «جنيف1»، حتى بات بقاء الأسد في السلطة يطرح باعتباره البديل المنطقي والمقبول من القوى الدولية والأطراف الإقليمية، وإلا فإن فوضى التنظيمات الإرهابية المتطرفة هي البديل. ومع استمرار الاقتتال في سوريا واستمرار الضربات العسكرية ضد تنظيم «داعش» تضيق فرص إمكانية التوصل لحل سياسي في سوريا في المدى المنظور، وعلى المبعوث الأممي أن يدرك أن أي نجاح لخطته الراهنة مرهون بوجود إرادة سياسية لدى النظام السوري للالتزام بالمقررات الدولية ولحل الأزمة السورية من جذورها فتجميد القتال في المحصلة ليس بحل، بل هو تجميد للحل وفيه إطالة لأمد الأزمة السورية.