لا مندوحة من الإقرار بأن الإسلام السُني بحاجة اليوم إلى إعلان حرب أفكار حقيقية لمواجهة خطاب التطرف الديني الذي تحول إلى معادلة جيوسياسية متمددة منذ إعلان «الخلافة الداعشية» التي اتسعت شبكة الولاء لها في مناطق كثيرة من العالم الإسلامي. ما يجهله الكثيرون هو أن للحالة «الداعشية» فكرها وخطابها العقدي، الذي يتجاوز حيزها السياسي، وهو فكر يمكن اختزاله في أطروحة رئيسية هي أن العقيدة موقف انتمائي له مضمون إيماني محدد وإطار سياسي حاضن هو الشكل «الأصلي النقي» للدولة الإسلامية الشاملة لدار الإسلام. من الخطأ التهوين من خطورة هذه الأطروحة التي تغذيها روافد عديدة منتشرة، أهمها النظرية السلفية الكلاسيكية في اعتبارها الإيمان عقيدة محددة التفاصيل وممارسة تعبدية ملازمة لها، ونظرية الإسلام السياسي في الدولة المجسدة لقيم وأحكام الدين. ورغم ان النظريتين تختلفان مع تصورات الإسلام السُني التقليدي، إلا أنهما أصبحتا من مسلمات الثقافة الاسلامية المشتركة، إلى حد انتفى الخيط الواصل بينهما والخطاب الراديكالي العنيف الذي يمتاح رؤيته ومواقفه منهما في سياق صدامي عنيف، للعوامل المجتمعية والاستراتيجية دور في تأجيجه وتوجيهه. ولنبدأ بالأطروحة الأولى المتعلقة بمفهوم الإيمان وما يرتبط به عكسياً من منظور تكفيري عنيف واقصائي، مذكرين بمركزية هذا الإشكال في تاريخ الفرق وصراع الفتن في الإسلام الوسيط. ومن دون الخوض في هذا الموضوع المتشعب، نكتفي بالإشارة إلى أن التقليد السُني تشكل في مواجهة اتجاهات ثلاثة أرادت تقنين المضمون العقدي والعملي للانتماء الإيماني وهي: الاتجاه الخارجي (في تكفيره للمخالف من مرتكبي الكبائر)، والاتجاه الاعتزالي، واتجاه «أصحاب الحديث» في ميلهما لفرض أطروحات عقدية تفصيلية باسم السنن أو العقل، وفي اتفاقهما مع الخوارج على ربط الاعتقاد بالطاعة في تعريف الإيمان. ما ذهب إليه عموم أهل السُنة من أشاعرة لا يختلف في الجوهر عن أطروحة «المرجئة» من تحديد الإيمان بأنه إقرار وتصديق لا يستلزم الطاعة والعمل، فالعبادات إمارات ودلائل ظاهرة على الإيمان وليست من صلب الاعتقاد (ذهب الكرامية إلى أن الإيمان هو مجرد نطق بالشهادة ولو انتفى التصديق). التصديق من المنظور السُني هو الإقرار بصحة الرسالة والاندماج في الجماعة، وليس استبطاناً نظرياً لمضمون محدد ومفصل في العقيدة، فالمتكلمون السُنة متفقون على أن النظر العقلي، وإنْ كان مطلوباً في العقائد لكنه لا يمكن أن يصل إلى معرفة ميتافيزيقية بالأمور الإلهية، ولذا فموضوع علم الكلام ليس الإلهيات بل أثار الخلق في الطبيعة والفعل الإنساني، وغاية مبتغى الحجاج الكلامي هو الاقتناع لا اليقين النفسي. صحيح أن المباحث الكلامية تداخلت منذ نشأتها مع الفلسفة، (على عكس التصور السائد بانجراف الأشاعرة المتأخرين إلى الفلسفة كما يكرر ابن خلدون)، وهكذا نلمس التأرجح الأبستمولوجي للدراسات الكلامية بين حدين أقصيين: بناء أصول للدين والاعتقاد (من دون النجاح غالباً في فرض مدونة عقدية)، وتحويل الكلام إلى إلهيات تتعلق بالوجود المفارق (مشروع ابن سينا الذي أخذ مسارين: أنطولوجيا الإشراق المكتمل لدى صدر الدين الشيرازي واللاهوت الفلسفي لدى فخر الدين الرازي). إن ما نلمسه اليوم في الحقل الديني السني هو انهيار المنظور الكلامي في تصوره المنفتح والمتسامح للإيمان وفصله للاعتقاد عن طبيعة الممارسة ونظرته لأمور السلطة خارج دائرة الاعتقاد وبالانطلاق من مبدأ حفظ وحدة الجماعة وأمنها، بحيث تكرست أطروحة سلفية جديدة تحدد مضموناً عينياً مفصلاً للاعتقاد الفردي (في تصور الذات الإلهية وصفاتها وعلاقة الانسان بربه)، مما يفسح المجال أمام أخطر النزعات التكفيرية العنيفة واللاغية لمبدأ السجال العقلي والحوار الفكري النقدي، الذي اشتهر به متكلمو أهل السُنة الذين لم يكونوا يكفرون أحداً من أهل القبلة ولا يرون سبيلاً لليقين في فروع الاعتقاد وإشكالات النظر العقلي. قد يكون من اللغو المطالبة بالعودة لأدبيات الكلام التي تعكس بيئة أبستمولوجية ومعرفية غريبة عنا، لكن إذا كانت فلسفة الدين الحديثة في الغرب التي هي إحدى تعبيرات فكر الأنوار تمحورت حول فكرة «الدين الطبيعي» القابل للترجمة في لغة العقل العمومي، فإن التقليد الكلامي هو المؤهل لأن يكون السياق التأويلي للفكر الديني الجديد وليس أدبيات الفرق المغلقة الجامدة.