لم يعد المشرعون الذين يضمهم الكونجرس تحت قبته والذين بلغ عددهم 535 نائباً، يستحقون الشكر والعرفان من أحد بعد أن تهرّبوا من المسؤولية التي يتحملونها وحدهم، لاتخاذ موقف واضح، مما إذا كان أوباما على صواب أم خطأ عندما قاد أميركا إلى حرب مفتوحة مع «داعش» في العراق وسوريا. ويمكن أن يقال إن سياسيي «الكابيتول هول» عرضوا أبناء وطنهم للموت حتى يجنّبوا أنفسهم المشاكل السياسية. وتتفق آراء النواب بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم على أن أوباما أطلق الضربات الجوية وبقية العمليات العسكرية الهجومية في الشرق الأوسط من دون الحصول على الموافقة التشريعية المناسبة. كما تتفق آراء معظم الخبراء في قضايا التشريعات الدستورية على هذا الرأي. وجاءت المشكلة من أن الكونجرس كان يتجنب إجراء التصويت على قرار أوباما الذي تقدم به قبل الانتخابات النصفية حتى تتجنب الأحزاب النتائج السلبية لمواقفها أثناء تصويت الناخبين. وقال «تيم كاين» النائب الديموقراطي في وصفه للوضع الذي بات عليه الكونجرس: «لقد بلغ قمة الفجور والفساد». وأشار إلى أن العديد من زملائه «الديموقراطيين» يعارضون أوباما في قرار الحرب الذي اتخذه ضد «داعش»، وهم الذين اشتهروا بتأييدهم لهم. ويتخذ العديد من نواب الحزب «الجمهوري» موقفاً مماثلاً، ومن أشهرهم «راند بول»، وهو من الجناح «اليميني» المتطرف. وتساءل «كاين» في «ندوة ولسون سنتر» التي نظمت الأربعاء الماضي في واشنطن: «هل هناك عمل يمكن أن يتصف بالبعد عن الأخلاق أكثر من أن تأمر الناس بالتضحية بحياتهم من دون الخوض في مناقشة مسألة ما إذا كانت المهمة مفيدة أم لا؟». وقال مواطن أميركي في التاسعة والعشرين من عمره سبق له أن شارك في حرب أفغانستان في تعليقه على هذا القرار: «لقد قاموا بعمل جبان بحت عندما تجنبوا التصويت على قرار الحرب قبل إجراء الانتخابات التشريعية. وللشعب الأميركي الحق في معرفة الطريقة التي يتم بها إنفاق الدولارات التي يدفعها كضرائب». وبالطبع، يمكن توجيه اللوم إلى أوباما أيضاً. فبالرغم من أنه قال منذ البداية إنه سوف يرحب بدعم الكونجرس له، إلا أنه لم يرسل إلى الكونجرس طلبه الرسمي، لنيل الموافقة منه لإطلاق عملياته العسكرية. وكان الهدف من تنظيم «ندوة ولسون سنتر» هو مناقشة تأييد «مجموعة الثلاثة» (التي تتألف من النواب: الجمهوري «جون باراسو» والاستقلالي «أنجوس كينج» والجمهوري «راند بول»)، البيت الأبيض والبنتاجون لإعلان الحرب في عدة دول بشيء قليل من الحوار أو من دونه تماماً. وكان من بين أهم أهدافها الأخرى هو الضغط على الكونجرس، لتحمل مسؤولياته بعد انتهاء «جلسة البطّة العرجاء». وجاءت المفارقة في هذا الجدل الذي يبدو وكأنه يدور في فراغ، من أستاذ التاريخ في جامعة هارفارد البروفيسور «جاك جولدميث» الذي سبق له أن شغل منصب المستشار الخاص لوزارة الدفاع. فلقد قال أثناء إدلائه بشهادته أمام الكونجرس العام الماضي بأنه أصيب بالصدمة عندما اكتشف أن أشهر النوّاب يفتقرون لأبسط المعارف حول العمليات العسكرية التي ينفذها الجيش الأميركي، مثل الغارات التي تقوم بها طائرات «الدرونز» في اليمن والصومال وباكستان. وقال جولدسميث: «لقد كان مما يستثير العجب، مدى ضآلة المعارف لدى النواب من أعضاء هيئة خدمات القوات المسلحة التابعة للكونجرس، فيما يتعلق بالأماكن التي يحارب فيها الجيش الأميركي، ومن هم الأعداء الذين يحاربهم». ولا يشك أحد على الإطلاق بأن الكونجرس كان سيمنح موافقته على إطلاق الضربات الجوية ضد «داعش» لو تمت مناقشة الموضوع وفق آلية تشريعية سليمة. ويأتي هذا الحكم من أن معظم المشرّعين في الكونجرس يرغبون بتدمير معاقل وملاذات الإرهاب في قلب الشرق الأوسط بنفس الحماس الذي أعرب عنه أوباما والبنتاجون وربما أكثر. إلا أن الحوار المدوّخ كان يدور حول قضايا تتطلب اتخاذ المواقف الواضحة إزاءها مثل: كم هو الزمن الذي تستغرقه هذه العمليات حتى تصل إلى نهايتها المرجوة؟، وهل من الضروري تجنب استخدام القوات البرية؟، وكم هي التكلفة الفعلية التي سندفعها لقاء القيام بهذا العمل؟. ويبدو بكل وضوح الآن، أن الكونجرس برمته وبكل ألوان الطيف السياسي الممثل فيه، يفضل تجنّب الخوض في مثل هذه التساؤلات الخطيرة والساخنة، لأن من الأسهل له أن يدع أوباما يكتوي بنارها وحده. ـ ـ ــ ـ ــ روبرت ماكارتني محلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"