في قمة آسيا والمحيط الهادئ التي عقدت في الصين مؤخراً، بذل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أقصى ما بوسعه، ليبدو هادئاً بل ولطيفاً. ففي الوقت الذي تواجه فيه بلاده بعض أكبر تحدياتها الدولية في فترة ما بعد الاتحاد السوفييتي، يظهر بوتين قدراً لا يصدق من النزق. وتعليل هذا هو إما أن يكون محاولة ماهرة للترهيب أو علامة على اعتقاده بأن علاقته بالغرب مازال يمكن إصلاحها. وفي القمة أبدى زعماء الغرب استعدادهم للتحدث مع بوتين لبضع دقائق فقط. ومقابلات بوتين الثلاث مع الرئيس أوباما استمرت 20 دقيقة إجمالاً، ومقابلته الوحيدة مع رئيس الوزراء الأسترالي، توني آبوت، كانت قصيرة بالمثل. لكن بوتين حاول إجراء حديث ودي مع أوباما وابتسم بل ربت على ظهر الرئيس الأميركي. ومن رد الفعل الجاف لأوباما، يبدو أن بوتين وجد عناءً في السيطرة على نفسه. ثم جاء المقطع الكوميدي قليلا مع بينج ليوان، زوجة الزعيم الصيني شي جين بينج، عندما ألقى بوتين بغطاء على كتفيها. ورغم أن السيدة الصينية الأولى قبلت بأدب الغطاء، فقد سلمته على الفور تقريباً لأحد المعاونين. وبعد ما يقرب من 14 عاماً في السلطة، يستوعب بوتين جيداً أصول اللياقة الدبلوماسية، لذا فإن هذا السلوك غير اللائق لابد أنه محسوب. ووصف المعلق الروسي ألكسندر باونوف، وهو دبلوماسي سابق، سلوك بوتين بأنه «إشارة إلى سلطته»، كما لو أنه يقول: «أيها السياسيون الغربيون إنكم مقيدون بآلاف القواعد والحواجز، لأن المعارضة والصحفيين لديكم سيعاقبونكم على كل خطوة خاطئة. إنكم لا تستطيعون، لكني أستطيع؛ فأنا سيد مستقل لبلد مستقل». لكن بوتين ليس غافلاً عن الظروف المحيطة به. فأسعار النفط منخفضة، وهناك هلع بشأن أسعار العملة في موسكو، وحرب توشك أن تشتعل مجدداً في أوكرانيا، مما قد تؤدي إلى عقوبات جديدة ضد روسيا. لكنه مازال لطيفاً وربما كان استعراضه مقصوداً به التهديد. وهناك أدلة تدعم هذا التفسير. فقد رصدت نشرة سياسية صدرت يوم الاثنين عن شبكة القيادة الأوروبية، وهي جماعة استشارية في السياسة، 40 مواجهة عن كثب بين قوات روسيا والغرب وقعت منذ أن ضمت روسيا القرم في مارس الماضي. وجاء في النشرة: «يبدو أن القوات المسلحة ووكالات الأمن الروسية حصلت على تفويض وتشجيع للعمل بشكل أكثر عدوانية تجاه دول حلف شمال الأطلسي والسويد وفنلندا». وجاء في النشرة أيضاً أن «الأفعال الروسية ربما تستخدم في تحقيق أهداف سياسية ودعائية». ومن المغري وضع كل هذا معاً لرسم صورة لطاغية مبتسم وواثق ظاهرياً يبدي لنظرائه أنه لا يبالي إلا قليلاً برأيهم فيه. لكن عالم النفس قد يقدم تفسيراً مختلفاً. وفي ورقة بحثية قدمتها «لورا ريتشمان» و«مارك ليري»، من جامعة «دوك»، استكشفا فيها ردود فعل الناس على الرفض. ووجدا أن رد الفعل الأول هو إدراك الظلم. وفي الشهور القليلة الماضية، نفّس بوتين في الغالب عن مشاعره الجريحة في التعبير عما اعتبره معاملة ازدرائية له ولبلاده من الغرب. لكن إذا كان الشخص المرفوض يعتقد أن العلاقة يمكن إصلاحها فإنه يميل للتعامل بود تجاه من يشعر أنهم رفضوه. وفي غمرة الخطاب المعادي للولايات المتحدة والغرب ترك بوتين الباب مفتوحاً لاستئناف الحوار. وقال مؤخراً: «لن نعزل أنفسنا عن أحد.. زعماؤكم يقولون سنعاقب روسيا وإنها ستدفع الثمن غالياً وستكون منبوذة.. لكن كيف سيحلون المشكلات العالمية بمثل هذه الطريقة». لكن من الممكن أن يكون سلوك بوتين خليطاً من عجرفة الترهيب والرغبة في استعادة العلاقات الطبيعية. وإن كان من الحكمة أن يدعم الغرب دفاعه عندما يهدد بوتين، فمن الذكاء من الغرب أن يستغل رغبته الواضحة في أن يُمنح مكاناً على طاولة الحوار مجدداً. فما هو إلا إنسان، لكن روسيا والجيران يعتمدون بشكل غير متناسب على حالته النفسية. وربما ينبغي على زعماء الغرب أن يستشيروا علماء النفس حول طريقة للتعامل معه بدلاً من مواصلة إبداء الرفض الغاضب، كما فعل أوباما. ------------------ *كاتب وروائي روسي مقيم في برلين ------------------------ ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»