لاشك أن هناك تحديات ومخاطر ضمن المشهد الحالي في فلسطين، وبالأخص ما يجري في القدس الشريف، البقعة المباركة ومسرى رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم عندما عرج إلى السماء، والعاصمة الدينية والتاريخية والسياسية والاقتصادية لفلسطين، والتي تتعرض لهجمة خطيرة بهدف تهويدها، حيث تستغل إسرائيل في ذلك انشغال العالم العربي والإسلامي وحالة التدهور السياسي والأمني التي أصابته. وقد قطعت إسرائيل شوطاً كبيراً نحو تحقيق ذلك الهدف، وهي في طريقها لإكماله. ومؤشرات ذلك واضحة للعيان، ومنها الجهود المتواصلة لطمس الآثار العربية والإسلامية في القدس الشريف وما حولها من قرى، والعمل على تهويد ملامح المدينة المقدسة عبر هدم المنازل وإزالة الآثار الإسلامية وبناء الكنس والمستوطنات اليهودية على أنقاضها، واستقدام اليهود من شتى بقاع العالم لتوطينهم بغية تغيير الخريطة الديموغرافية على حساب أصحاب الأرض الأصليين الذين أصبح نصيبهم من الاحتلال الطرد والتهجير.. هذا علاوة على الاستمرار في أعمال الحفريات الأثرية، لاسيما تحت المسجد الأقصى تمهيداً لبناء ما يسمونه «الهيكل الثالث»، إلى جانب الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على المسجد الأقصى المبارك، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وهي الاعتداءات المتواصلة منذ ثمانين سنة. وبلغت تلك المؤشرات ذروتها مع المشروع الذي تسعى حكومة الاحتلال الصهيوني لطرحه للتصويت في الكنيست، في ديسمبر القادم، والذي ينص على إشراك اليهود، على السواء مع المسلمين، في المسجد الأقصى المبارك، ومنحهم حق العبادة داخله، كما حدث من قبل مع الحرم الإبراهيمي، وتخصيص أماكن لممارسة اليهود طقوسهم، والسماح لهم بدخول المسجد وتدنيسه! وتسعى سلطات الاحتلال الإسرائيلي من ذلك إلى هدفين: 1- إدخال المنطقة في صراع دائم. 2- فرض وجود يهودي مباشر ودائم في المسجد الأقصى ومحيطه، وجعل القدس الشريف عاصمة للاحتلال الإسرائيلي. وبذلك تسطو إسرائيل على التاريخ والحق الشرعي للشعب الفلسطيني وتواصل تزوير الحقائق، كي توهم العالم بأنها صاحبة الحق، لذلك فهي تحاول الآن تصوير مدينة القدس وكأنها موضع تنازع. وسابقاً قال مؤسس الحركة الصهيونية «هرتزل»: إذا حصلنا يوماً على القدس وكنت ما أزال حياً، فسأزيل كل ما ليس مقدساً لدى اليهود فيها، وسأحرق الآثار التي مرت عليها قرون. وهذا ما تفعله إسرائيل اليوم. إن الشهادات التاريخية والوثائق العلمية تؤكد أن القدس عربية الأصل والنشأة والتكوين. وكما قال الدكتور أنور محمد زناني في كتابه «تهويد القدس» (ص: 21)، فإنه على مدى تاريخ القدس لم يكن لبني إسرائيل غير علاقة عارضة بهذه المدينة العريقة، وليس صحيحاً ما تزعمه الصهيونية من أن اليهود هم من أسسوا مدينة أورشليم (القدس)، بل الثابت علمياً أن هذا الاسم مأخوذ من لغة الكنعانيين العرب، وهو مركب من كلمتين كنعانيتين: «يوري» (ومعناها مدينة) و«شليم» (وهو اسم إله كان الكنعانيون يعبدونه، ومعناه السلام). كما أن كنعان هو الاسم الذي تذكر به التوراة هذه البلاد. ومن ذلك فالتوراة تعترف بأن فلسطين ليست بلادهم، بل بلاد كنعانية عربية. وقد قالها المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي بوضوح: إن إسرائيل برمتها كانت وما تزال وستبقى من الوجهة القانونية والتاريخية ملكاً للعرب الفلسطينيين الذين أُخرجوا من ديارهم بالقوة.