أحياناً يشكو الميدان التربوي سواء في التعليم العام أو الخاص من نسبة من الجفاء في العلاقة بين الطالب والمعلم ويؤثر ذلك في المحصلة النهائية على النتائج العلمية للطالب في آخر العام الدراسي. وقد يعتقد البعض بأن هناك إهمالاً من الجانبين في القضايا العملية في التربية والتعليم وهو ما يتعلق بالدراسة أو الاجتهاد ومدى التزام الطالب بالواجبات سلباً أو إيجاباً، ومع أن هذا الأمر يتكرر لدى البعض مع كل سنة دراسية جديدة. من الطبيعي في العملية التعليمية والتربوية أن نجد في الصف الدراسي الواحد كل المستويات الدراسية، ولكن ليس من الطبيعي أن يصل بعض الطلبة الممتازين بشهادة الجميع إلى مرحلة نهائية في الدراسة ويطلب سحب أوراقه من السلم التعليمي بسبب أن أحد المدرسين قد بخسه حقه، فأحبطه أو طرده من الحياة العلمية والتعليمية جملة وتفصيلاً. ويأتي المنقذ لمثل هذه الحالات النادرة من قبل المدرس أو المدرسة والمعلم والمعلمة التي تغمر الطالب أو الطالبة بدفقات إنسانية تخرج مثل هذا الطالب من حالة اليأس إلى قمة الأمل، لأن المعلم أدرك حقيقة مشاعر وأحاسيس هذا الطالب الفذ، واستطاع أن يعيد إليه ثقته بنفسه من جديد ويواصل مشواره في التعليم حتى النهاية، بل يصل هذا النوع من الطلبة بعد التخرج إلى أعلى مراتب السلم الاداري في المجتمع. هذا النموذج من المعلمين والمعلمات هو المطلوب وبقوة في الميدان التربوي حتى يقوم بعملية توازن واقعية في مخرجات التعليم العام والعالي معاً. نحتاج وبشدة إلى المعلم الإنسان الذي يراعي ظروف الطلبة النفسية والاجتماعية، لأن مقولة وجود طلبة فاشلين، نحوقل عليهم كلما سمعنا ذكرهم يجب أن ينتهي وهذا هو التحدي الذي يواجه معلم الإنسانية في هذا العصر الصعب، على كل من يمارس مهنة التدريس سواء في المدارس أو الجامعات. قبل أيام استمعنا إلى أحد برامج البث المباشر وقد كان يتدارس مع إحدى الأمهات مشكلة ابنها البالغ الخامسة من العمر حول ما صدم به المعلم تلميذه عندما كتب على غلاف أحد كتبه الدراسية ملاحظة يصف هذا التلميذ بأنه «كثير الكلام.. قليل التربية كثيراً»؟! فكيف بهذا التلميذ أن يواجه أقرانه في الصف كلما قرأوا على غلاف أحد كتبه هذه العبارة التي تفتقد كثيراً جداً من جرعات التربية الإنسانية. مثل هذه الحالات، وإنْ كانت نادرة إلا أنها تكسر ظهر مستقبل هذا التلميذ النجيب، علماً بأن هذا التلميذ لم يشتك أحد منه في المدرسة طوال السنوات الخمس، إلا من هذا المعلم الذي لم يسعفه التعليم لوضع بصمة تربوية على غلاف كتاب ذلك التلميذ المصدوم هو وأهله من هذه العبارة غير التربوية. فلو كان «الإنسان» يسكن في هذا المعلم لما طاوعه قلمه لكتابة هذه العبارة على غلاف ذلك الكتاب الذي يذكره دائماً بأنه «قليل التربية كثيراً»؟! فالتربية والتعليم ليست مناهج ومعلمين وطلبة فقط، بل هي أكبر من ذلك بكثير، عندما تنزع روح الإنسانية من أروقتها لتحل محلها مشكلات تحفز في نفس الطلبة أغوار اليأس والقنوط والإحباط، ليس لأنهم فاشلون، بل لأنهم دفعوا من قمة النجاح إلى قاع الفشل وهم ليسوا كذلك. فالتربية إنسانية قبل أن تكون تعليماً وتوجيهاً وحفظاً وتلقيناً، فبفقد هذا الجانب المهم، تسقط ضحايا بسببه قد لا نشعر بهم إلا بعد فوات الأوان، فهل نعلق في كل أروقة التربية والتعليم أجراسا خاصة بإنسانية المعلم قبل كل شيء.