عندما لفظ رئيس المحكمة الليبية العليا المستشار كمال دهان، أمام كاميرا التلفزيون، عبارة «عدم دستورية الفقرة 11 من المادة 30 من الاعلان الدستوري»، سُمعت أصوات من وراء الكاميرا تهتف «الله أكبر»، ما عنى أن الميليشيات الإسلامية المسيطرة على طرابلس حققت لتوّها «نصراً قضائياً» على خصومها. فعدا السيطرة كانت تنقصها دائماً الشرعية التي آلت إلى مجلس النواب المنتخب، بموجب اقتراع الخامس والعشرين من يونيو الماضي. كما في الانتخابات الأولى في يوليو 2012 جاءت النتائح في الثانية أيضاً مخيبة جداً لآمال الأحزاب والجماعات الإسلامية التي لم تتمكّن في الحالين من تحصيل حتى 10 في المئة من مئتي مقعد. لكنها في حال «المؤتمر الوطني العام» (المجلس الانتقالي) راحت تستميل الأعضاء بإرهاب البعض وابتزازه أو بإغراء البعض الآخر حتى توصّلت إلى شبه سيطرة على ذلك «المؤتمر»، وكان مقره في طرابلس، أما المجلس المنتخب فقضى تعديل دستوري بأن يكون مقره في بنغازي. وتزامن موعد انعقاد هذا المجلس مع تطوّرين: الأول، زحف الاسلاميين إلى طرابلس وبدء معركة السيطرة على المطار، ثم على مرافق الحكومة. والثاني، توسّع الميليشيات ذاتها وبعضها من اتباع تنظيم «القاعدة» في السيطرة على بنغازي. لذلك ارتأى البرلمان الجديد أن ينتقل إلى طبرق، إذ لا يمكنه القيام بعمله تحت حصار مسلّح وظروف أمنية ضاغطة. وما أن انعقد المجلس في طبرق، أوائل أغسطس، حتى نال اعترافاً دولياً واسعاً بأنه ممثل الشرعية في ليبيا، وقد أتيح لرئيسه عقيلة صالح عيسى مخاطبة الجمعية العامة للأمم المتحدة، وظلّت السفارات الليبية على ارتباطها بالمجلس. في الوقت نفسه راح الاسلاميون يستكملون الاستيلاء على المؤسسات كافة في العاصمة، لكنهم خسروا «الشرعية». عندئذ تفتّقت في أذهانهم بدعة إحياء «المؤتمر» المنتهية ولايته وصلاحيته ليشكّل «شرعية» بديلة، وحين لمسوا أنهم لن يستطيعوا فرض الأمر الواقع ولن يتمكّنوا بالذهاب بعيداً حتى مع وجود حكومة يعترف بها هذا «المؤتمر»، خصوصاً أن مجلس الأمن بدأ يعتبرهم متمردين على الدولة وينذر قادتهم بعقوبات، لجأوا إلى الطعن في دستورية المجلس المنتخب، وبحكم من الدائرة الدستورية في المحكمة العليا، حتى كان الثمن ضرب القضاء وتلويث سمعته. وكالعادة عمدوا إلى ترهيب القضاة غير المتعاطفين معه وتهديد عائلاتهم، ما حمل ثلاثة منهم إلى التنحي عشية إصدار الحكم فاستبدلوا بثلاثة قضاة جدد. وقبيل لفظ الحكم كان المسلحون يحاصرون مقر المحكمة. حصل الاسلاميون اذاً على سلاحهم القضائي، الذي اقتضى اجتهاداً قسرياً والتفافياً من جانب القضاة، آملين فقط في تخطّي مأزق زُجّوا به. ومع ذلك لم يتضمّن قرارهم «حلّاً» للبرلمان بل اقراراً بعدم دستورية فقرة لم يصوّت عليها (في المجلس السابق) بنسبة الثلثين المطلوبة، تاركين التفسير والاستنتاح لمن يرغب، وقد رغبت الميليشيات في اعتبار مجلس طبرق «غير شرعي»، بل احتفلت بذلك. لكنها في الساعات التالية تأكدت أن شيئاً لم يتغيّر في معطيات الأزمة، وأن ما فعلته كان زيادة للتعقيدات لعلها تفيدها في الحوارات الجارية في "غدامس" وفي مساعي التسوية التي يبذلها ممثل الأمم المتحدة. فالعواصم الكبرى لم تبدّل موقفها من المجلس المنتخب بل جدّدته، ما دفع رئيس «حزب العدالة البناء» (الإخواني) إلى الظهور بموقف وسطي مفاده أن قرار المحكمة «انتصار للوطن وبداية لتأسيس دولة قانون ومؤسسات». واذا كانت «بداية» فعلاً فإنها سيئة وغير موفقة. رغم أن تقسيم ليبيا أو تقاسمها ليس على جدول الأعمال الدولي بعد، إلا أن عبث الإسلاميين بمؤسسة القضاء والسعي الى اسقاط البلاد في فراغ دستوري أعادا إلى الواجهة الأصوات الداعية إلى الانفصال، مستندة إلى الواقع الانقسامي على الأرض. وقد يرى الإسلاميون في هذا التوجّه حلّاً يناسبهم، إذ باتوا يعرفون ويرفضون حقيقة أن الشعب لايريدهم في الحكم، ويريدون ترجمة لسيطرتهم المسلحة في المشهدين السياسي والحكومي، لكن أحداً لا يستطيع منحهم امتيازا كهذا لمجرد أنهم مسلحون. هذه هي المعضلة التي تصطدم بها كل المساعي التي يبذلها الوسطاء. ثمة من يقول إن ليبيا ربما تحتاج إلى عقد اجتماعي يعترف بالواقع ويكون عرفاً موازياً لأي دستور مكتوب، لكن أي عقد يمكن أن ينجز بين قوى مدنية تريد بناء دولة وبين ميليشيات تريد دولة تحت أقدامها؟