انتهت لتوّها موجة الضجيج التي أثارتها الانتخابات التشريعية النصفية، وكانت مناسبة لتكريس ظاهرة الفساد المستشري في صلب النظام الانتخابي الأميركي، ولهذه الظاهرة عنصران، يتعلق أولهما بالفساد الانتخابي المالي غير المسبوق في تاريخ الولايات المتحدة ولا في معظم الديموقراطيات الغربية. فكيف يمكن للأميركيين أن يتخلصوا من هذا الكابوس الذي ينذر بأن يتحول إلى حالة دائمة مستعصية في صلب السياسات الانتخابية الأميركية؟. ويتعلق العنصر السلبي الثاني في انحطاط مستوى الحوار حتى درجة الابتذال والغوغائية التي لم يُكتب لها أن تصل ذات يوم عبر التاريخ إلى المستوى والعمق الذي بلغته الآن. ويمكن اعتبار هذه الحالة الكارثية في مستوى العلاقات السياسية المحلية، النتاج المباشر لقرارين صادرين عن المحكمة الدستورية العليا، وإلى القوانين الخاطئة المتعلقة بتنظيم قطاع الاتصالات وخدمات البث الإعلامي الإذاعي والتلفزيوني. ولم تعد هذه القوانين بعد تعديلها في عهد إدارة الرئيس رونالد ريجان تُلزم أصحاب محطات البث الخاصة بتقديم البرامج التي تندرج في إطار «المصلحة العامة» بما فيها تغطية الحملات الانتخابية وإجراء عمليات الاستطلاع المبكرة في أوساط الرأي العام. وأدى التخلي عن هذا الشرط الملزم إلى موجة من الضجيج الحواري والدعائي الديماغوجي، خاصة من الجناح اليميني المتطرف، وبما أدى إلى تلطيخ سمعة الانتخابات السياسية الأميركية بالوحل. ويمكن لكبار السن أن يسترجعوا بذاكراتهم المتوقدة الأيام الأولى للبث الإذاعي والتلفزيوني في فترة ما قبل إدارة الرئيس ريجان، وحيث كانت هذه الأدوات بعيدة كل البعد عن المشايعة والانحياز عند تقديم نشرات الأخبار والتقارير والتعليقات الصحفية. وكانت هذه الوسائط كلها تعمل تحت مظلة «الشبكات الوطنية» الحكومية والمحطات المحلية في الولايات المتحدة، وكان هناك بالطبع مذيعون ومعلقون يحظون بشعبية واسعة بسبب خبرتهم ومهارتهم. وبالرغم من انحياز البعض إلى أحزاب معينة، إلا أن هذه الصناعة حافظت على تعهدها ومسؤوليتها بالسماح لكل الأطياف السياسية بأن تعبر عن آرائها بكل شفافية. وفي عامي 1976 و2010، أصدرت المحكمة الدستورية العليا قانونين كان لهما أبلغ الأثر على الطريقة التي تُجرى بموجبها الحملات الانتخابية، وربما كانا أيضاً سبباً في تغيير السياسة الأميركية برمتها. ونتج ذلك بشكل أساسي عن طبيعة، وخصائص قطاع الاتصالات الموسع في الولايات المتحدة، ومن حقيقة أن هذا القطاع اتخذ منذ البداية طابعه التجاري البحت، خلافاً لما هي حال محطات التلفزيون والإذاعة الحكومية في كندا وبريطانيا ومعظم دول أوروبا. وكان هذان القانونان سبباً في تحويل الأطروحات السياسية إلى سباق على الفوز بأعلى مستوى من الإنفاق الإعلاني في محطات التلفزيون والراديو، ولقد انتهت الانتخابات لتوّها بعد أن أمطرت كل أميركي يدخل إلى شبكة الإنترنت بوابل من آلاف الرسائل السياسية ذات الصفة الاستقطابية. وفي الماضي، لم تكن الحملات الانتخابية تهتم إلا بشخصية المرشح ذاته ومدى سلامة المشروع السياسي الذي يطرحه. وبالطبع، كان في وسع أصدقاء المرشح ومؤيديه أن يسهموا في تمويل حملته والإنفاق عليها، إلا أن هذه المساهمة كانت خاضعة لضوابط قانونية تحدد حجمها وطبيعتها. ولم تسمح تلك القوانين بإقامة علاقات الارتباط بين أرباب العمل والصناعة والمرشحين الرئيسيين لأن إقامة مثل هذه العلاقة تعني أن المرشح أصبح يمثل «المصالح الخاصة» لتلك الأطراف بدلاً من أن يعمل للمصلحة العامة. وهكذا، أصبح أعضاء الكونجرس وبعض أعضاء مجلس الشيوخ، ما عدا قلّة من الشرفاء منهم، معروضين للبيع كل سنتين. وأكثر المجموعات السياسية اهتماماً بالشراء من «هذه السوق»، هو اللوبي الأميركي- الإسرائيلي المعروف باسم «آيباك»، والذي بلغ من النجاح الحدّ الذي دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بداية هذا العام إلى القول جهاراً أمام مناصريه في إسرائيل بأنه لم يعد مهتماً بإقناع أوباما بوجهة نظره لأنه هو ذاته (نتنياهو) الذي يحكم الكونجرس الأميركي. ولعل الأخطر من كل هذا هو أن هذه التطورات التي يشهدها النظام الانتخابي منذ 40 عاماً، حوّلت الولايات المتحدة إلى دولة دكتاتورية، أو الدولة التي تحكمها القلّة القليلة من كبار الأثرياء، ولا يوجد في أميركا اليوم إنسان واحد يشك في هذه الحقيقة. ولا شك أن المحكمة العليا هي التي أوصلت الولايات المتحدة إلى هذا الوضع، ولا يبدو أن إصلاح الأمور ممكن أو وشيك الحدوث، لأن هناك الكثير من الصعوبات التي تقف في الطريق. وليام فاف كاتب أميركي