في عام 1917 صدر عن وزير الخارجية البريطانية في ذلك الوقت أرثر بلفور، الوعد البريطاني بإقامة وطن لليهود في فلسطين. بعد قرن من الزمن في 13 أكتوبر الماضي 2014، صدرت عن مجلس العموم البريطاني توصية للحكومة بالاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في إقامة دولته الوطنية. صحيح أن التوصية غير ملزمة للحكومة، إلا أن تصويت 274 عضواً في مجلس العموم إلى جانبها، ومعارضة 12 عضواً فقط، وامتناع رئيس الحكومة نفسه ديفيد كاميرون عن التصويت، يعني أن بريطانيا خطت للمرة الأولى في تاريخ علاقاتها بالشرق الأوسط خطوة جريئة نحو إصلاح ما أفسدته خلال المائة سنة المنصرمة. شكل القرار البريطاني في عام 1917 بداية المأساة الفلسطينية، فهل يشكل قرار مجلس "العموم" البريطاني بداية تضميد جراحها؟ عندما صدر وعد بلفور كانت بريطانيا دولة عظمى، بل كانت الدولة العظمى في العالم، لقد تغيرت نظرة العالم اليوم إلى بريطانيا. وتغيرت صورتها أمام مرآة ذاتها، فهي تتفيء ظل الولايات المتحدة، مع ذلك يشكل قرارها «حركة أصبع» على حد تعبير جيليابوف في وضع مسار التاريخ الجديد للصراع العربي – الإسرائيلي. فقد انعكست هذه الحركة الرمزية في رد الفعل الإسرائيلي المتشنج الذي استعاد تهم السامية والنازية للطعن بتوصية مجلس العموم البريطاني. وهذه ليست المرة الأولى في تاريخ العلاقات الإسرائيلية – البريطانية التي تتلقى فيها بريطانيا طعنة في الظهر من الحليف الذي رعته منذ نعومة أظفاره. يروي كتاب جديد للمؤرخ البريطاني "باتريك بيشوب" قصة تكوين النواة الأولى للجيش الإسرائيلي. يقول المؤرخ في كتابه «الاستهتار: موت وغدر في أرض الميعاد»، أن بريطانيا قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية كانت تشعر بالحصار في فلسطين. وتحت تأثير هذه الضغوط لجأت بريطانيا التي كانت منتدبة على فلسطين، إلى تسليح اليهود للاستعانة بهم في مواجهة هذه القوى المعادية. وقد شجعها على ذلك العداء اليهودي للنازية لما ارتكبته ضد اليهود من مجازر في سائر الدول الأوروبية التي سيطرت عليها ألمانيا أثناء الحرب. وهكذا انضم أكثر من 30 ألف شاب يهودي إلى الجيش البريطاني في فلسطين. وقام الخبراء العسكريون البريطانيون بتدريبهم وتسليحهم وتزويدهم بالمعلومات عن العرب الفلسطينيين. وفيما بعد تحولت هذه القوة اليهودية إلى الأداة التنفيذية للمخطط الصهيوني بتحويل فلسطين إلى دولة صهيونية في عام 1948. كان يتزعم هذه المجموعة من اليهود المسلحين مهاجر من بولندا يدعى إبراهام شترن. وكان شاعراً، إلا أنه كان صهيونياً متعصباً. وقد استطاع تحويل هدف القوة العسكرية اليهودية من القتال إلى جانب القوات البريطانية إلى القتال إلى جانب مشروع الدولة الصهيونية. فوجه السلاح إلى البلدات والقرى الفلسطينية، كان ينسف دور السينما، ويسمم الطعام والماء، وكان يزرع العبوات الناسفة في المقاهي والشوارع، وفي سيارات النقل العام. وحاولت سلطات الانتداب ثني «شترن» عن تمرده عليها، ولما فشلت أعلنت الحرب عليه. ويروي الكتاب كيف توالت بعد ذلك ومنذ عام 1942، الاشتباكات المسلحة بين القوات البريطانية وقوات شترن التي دربها وسلحها البريطانيون أنفسهم. فالعقلية الصهيونية لا تؤمن بالحلفاء ولا تثق بهم. فكما حدث مع بريطانيا قبل قيام إسرائيل، حدث مع الولايات المتحدة بعد قيامها. ففي السبعينات من القرن الماضي وأثناء حرب رمضان – أكتوبر 1973، قصفت القوات الإسرائيلية سفينة التجسس الأميركي قبالة سواحل غزة لأنها كانت تسجل حركة القوات الإسرائيلية، مما يثبت أن إسرائيل تخرق اتفاق وقف النار. ولا تزال قضية الجاسوس الأميركي – اليهودي بولارد مستمرة منذ الثمانينات من القرن الماضي حتى الآن. فقد أثر انتماؤه الديني على مواطنيته الأميركية ونقل أسراراً عسكرية وأمنية أميركية إلى إسرائيل. وحكم عليه بالسجن مدى الحياة لخيانته. وتسعى إسرائيل جاهدة لإطلاق سراحه بموجب أي مقايضة سياسية. ولكن من دون جدوى حتى الآن.