في البدء دعونا نحدد مَن هم الرؤساء في هذه الأيام: مراجع الدين، أم زعماء الكُتل- حال العراق- أم رؤساء المواكب في عاشوراء، أم الشعراء و«الرواديد» للمناسبة نفسها، أم شيوخ العشائر، أم قادة المليشيات والأحزاب؟ هل يمكن اختيار أو ترشيح فئة من هذه الزعامات كي يُطلب منها هذا الطلب الملح، ألا وهو «رفقاً بالشيعة وبالحسين أيضاً؟ كلهم مؤثرون، وربما مراجع الدين، وما يمكن وصفهم بالعقلاء، هم آخر المؤثرين في لحظات الحشود، وأقصد بالذات ما بعد أبريل 2003، وفي حال العراق أيضاً. ظهرت زعامات استغلت الوعي الاجتماعي الهابط، وفراغ السلطة، وأخذت تُعمق ذلك الهبوط لأن زعامتها مرتبطة به، حتى باتت المرجعيات الدينية لا تقول كلماتها إلا على حياء، وفي العديد من الأحيان تماشي التيار حذراً وخشية من ضياع هيبتها بين الجمهور. هذا الكلام ليس لي، ولا هو بالجديد، إنما شخصه مصلح واجه عنت رؤساء المذهب، وهو هبة الدين الشهرستاني (ت 1967): «ولو انعمتم (هكذا وردت) النظر في مقالتي: القلم وما يسطرون، في العدد 3 لعرفتم أن متابعة الجهال والسياسة معهم والمشي على مذاقهم أقبح للعالِم، وبالأخص في الدينيات، وأن ذلك يجلب أشد الذم والندم عليه عندما تصحو الأمة من سكرة جهلها، وتنفض عن محيا فكرها غبار الغفلة والتقليد، يومئذ يربح المتجاهر بالحق ويخسر المبطلون» (مجلة العِلم، أكتوبر 1911). كذلك عندما تقدم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (ت 1954)، ووقف وسط العوام الهائجين؛ وهم يمارسون طقساً سيئاً على اللحمة الوطنية، وما فيه من كراهية وبغضاء وتخلف، قال وكان أصحابه يخشون عليه من الفتك: «إني متوكل على الله تعالى، وأضحي بنفسي، فإن نجحت فلله الحمد والمنة». صعد المنبر وخطب زهاء ساعتين والصحن (الحضرة العلوية) مشحون بالمستمعين من مختلف الطبقات» (محاورة الإمام المصلح كاشف الغطاء مع السفيرين البريطاني والأميركي في بغداد 1953). وبالفعل ألغى استغلال المناسبة للإساءة لشخصيات مقدسة لدى الطرف الآخر في ما يسمونه: «تاسع ربيع وعيد الزهراء». بدأ في عاشوراء هذا فقهاء يتحركون ضد ما يمارس بتهور، من ضرب الرؤوس بالعصي إلى جلد الظُّهور بالسلاسل، وتحدثوا عن إزعاج الآخرين، على أن ذلك للإمام الحسين، ومن يعترض فهو عدو الحسين، وبالتالي عدو الله! فبين ليلة وضحاها أصبح الشيخ محمد علي اليعقوبي، وهو حفيد الشاعر وخطيب المنبر محمد علي اليعقوبي (ت 1965)، عدو الحسين لأنه تحدث بجرأة ضد ضرب القامات والهياج غير المبرر. كذلك وقف بعض خطباء المنبر أمام ظاهرة إزعاج الناس، بوضع مكبرات الصوت على المنازل، ليبدأ بث القصائد والمناحات من الفجر وحتى المساء، فتساءل هذا الخطيب عمَّا سيشعره الآخرون من تحدٍ وتعنت باسم الحسين، وعلى حد عبارته يصل إلى حد الانزعاج من الحسين نفسه. أمام هذه الظاهرة الكارثية يتساءل المعارضون لصخبها، هل كان منعها بين حين وآخر صحيحاً في العهود السابقة أم لا؟ يأتي الجواب: إذا كان الأمر هكذا، إفراط لا مثيل له، من الحق حماية الحسين منها أولاً، مع أن للأنظمة السابقة مقاصدها من المنع، على أنها تُستغل سياسياً من قِبل الأحزاب السياسية. لكن حتى أواسط السبعينيات كان الأمر عادياً تجاه الاحتفال بعاشوراء والمناسبات المرتبطة به، والدولة منذ 1921 رسمت عطلة في اليوم العاشر من محرم، وذكرى مقتل الحسين تُذاع بين حين وآخر، من الإذاعة الرسمية. قلنا الزعامات الشيعية تعددت، في فوضى غير مسبوقة، والعديد منها يماشي غرائز الجمهور، وما حصل للشهرستاني من إيذاء كان معروفاً، عندما وقف ضد «نقل الجنائز» إلى النجف (1911)، لِما تْحدثه من مخاطر على الصحة العامة، مقابل ما تسديه من فؤائد لتجارها، حتى وصلته رسائل محذرة: «إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، أو يهينوك حماية منهم لعاداتهم وإن كانت سيئة تخالف العقل والشرع، فاسمع نصح أخيك ولا تجهر في النهي عن المنكر» (نفسه). إذا أراد القائمون على أمر العراق لهذا الجمهور مواكبة التحضر، عليهم البدء بالفصل ما بين الدولة والطقوس؛ عزل الدوائر الحكومية والقوات المسلحة، فعندما يقف الضابط أمام جنوده لاطماً وتتحول حدائق الجامعات إلى مواقع للطبخ وتسيير المواكب، فلا تتحدثوا عن دولة وجيش حامٍ. إنها مهمة منوطة برؤساء السياسة والمراجع، ولتكن لهم جرأة الشهرستاني وكاشف الغطاء. *كاتب عراقي