على وقع صوت القنابل، وصرير السكاكين في اليمن وسوريا والعراق وليبيا سمع صوت «نداء تونس» الذي فاز بالانتخابات التشريعية، حيث حصل حزب «نداء تونس» على 85 مقعداً وتليه حركة «النهضة» بـ69 مقعداً، يليها حزب «الاتحاد الوطني الحر» بـ16 مقعداً، ثم «الجبهة الشعبية» بـ15 مقعداً، ثم حزب «آفاق تونس» بـ8 مقاعد، وحصلت أحزاب صغيرة وقائمات مستقلة على 24 مقعداً. هذا الضوء المدني أو الليبرالي إن شئت كان مدوياً وقوياً، التحليلات قبيل الفوز اتجهت لصالح حركة «النهضة» التي تضخ المال ولديها إمكانات لتسهيل عملية الانتخاب سواء عبر وسائل النقل أو عبر الإمدادات العينية التي يتداول أنها وزعت من قبلها، وأياً كان الأمر فإن هذا الوهج الانتخابي فتح الكثير من الأسئلة حول موضوع «خصوصية تونس» في سياق «الربيع العربي»! بالطبع لن نقلل من الوهج والضوء، لكن من المخاطرة الذهاب بعيداً في تخصيص ثورة تونس عن سياقات «الربيع العربي»، ذلك أن الذي جرى في الانتخابات التشريعية هو تصحيح تاريخي لخطأ تاريخي، والانتصار على قوى الظلام والتطرف في تونس إنما هو شبيه بالذي جرى في حالة مصر التصحيحية عبر ثورة 30 يونيو، ولهذا فالذي يجري ليس حدثاً خاصاً بتونس، بل يشبه غيره في مصر. بعض المفكرين لا يزالون يطرحون موضوع خصوصية تونس ومصر مثل علي حرب وأدونيس، وبعضهم الآخر يرى في كل الذي يجري انتصاراً لقوى الظلام والعنف حتى وإن تفوقت في بعض المراحل قوى تنويرية أو ليبرالية إذ سرعان ما تختطف الخطابات العاطفية كل هذا النصر، وهذا مطروح من مفكرين وكتاب كثر في الخليج على وجه أخص. المهم ألا نتفاءل كثيراً بمثل هذه الومضات، بالطبع نشجعها ونعتبرها نقلة مدنية بامتياز، لكن لندع المعنى الشاعري في هذه الصورة، هاشم صالح كان فرحاً ومغتبطاً وهو الذي يكتب يائساً منذ أربع سنوات، لكنه مع تونس قال: «يبدو أن الكوابيس ابتدأت تنزاح عن صدورنا الواحد بعد الآخر». ما هذه المفاجآت السعيدة؟ هل نستحقها يا ترى؟ فها هي تونس تسلم قيادتها أيضاً للمتنورين. ها هو الإسلام الوسطي المستنير يتغلب على الإسلام الإخواني المتخلف المضاد لحركة العصر والتاريخ. ماذا تريدون أكثر من ذلك ليفهَم كلامي جيداً: نعم للإسلام وألف نعم، ولكن مستضيئا بنور العلم ووهج الفلسفة. نعم للإسلام متصالحاً مع نفسه ومع العصر». نفس الصورة الشاعرية التي كانت في تونس مع بدء «الربيع العربي» في أواخر 2010 تعود الآن، ولهذا علينا استخدام مشارط التحليل والنقد أضعاف ما نستخدم ريشة الحبر الشعرية، ذلك أن حركة «النهضة» لا تزال باقية وستشارك مع حزب «نداء تونس» في المكينة السياسية والحكومية والإدارية، والمبالغة في الفرح سيئة مثل المبالغة في الحزن، وكل تطرف في الأمور ذميم. هناك زحف «داعش» ورياح «الإخوان»، والعالم العربي والإسلامي ليس كله حزب «نداء تونس»، فالضوء البسيط عليه ألا يغفلنا عن معالجة ثقافات الكهوف، وجيوب الدم، ومخابئ الصراع والقتال والذبح. لم يكن «الربيع العربي» إلا مقدمةً نتيجتها الأصولية، وتونس تجربتها أقل ضرراً، لكنها ليست نموذجاً يحتذى؛ إذ التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والجغرافية كبيرة على أي حزب سيحكم، والتاريخ سيكتب ذلك، والحياة أهم من الحرية، والاقتصاد أهم من صندوق الاقتراع، هكذا أفهم الأحداث بعد كل غليان هذا «الربيع».