وباء «الإيبولا» يضرب من جديد بواسطة فيروس مخيف، فما هي طبيعته؟ إنه فيروس يلتوي على نفسه في أعداد لا تنتهي، مثل الديدان أو الأفاعي، في باطنه شحنة من الأحماض النووية تبلغ ضعف ما هي موجودة في فيروس الإيدز سيئ الذكر، الذي لم يطوق حتى الآن بعلاج أو لقاح، ومعطفه الخارجي طبقة شحم، وتبرز من أطرافه نتوءات تشبه أقدام الزاحفة «أم أربع وأربعين». عرف عن فيروس الإيبولا أن فيروس الإيدز أمامه، مثل ما ذكرنا عن الفرق بين البعوضة والذبابة، ففيروس الإيدز مقارنة به ربما يعد رحمة! ففيروس الإيدز يمشي كلصوص الليل المتسللين، ولا يعلن عن هويته مثل المنافقين، ويضرب ضربته في الظهر بعد حين. أما فيروس «الإيبولا» الذي أخذ اسمه من نهر في زائير، حيث زمجر المرض وكشر عن أنيابه هناك في السبعينيات، فهو يضرب بسرعة ووضوح وبمنتهى القسوة وبشكل دموي. فحضانته لا تحتاج -كما في الإيدز- إلى سنوات، بل هي ما هي إلا بضعة أيام حتى تظهر أعراضه الأولية متمثلة في الحمى وآلام في أنحاء الجسم؛ فيبقى دور الطبيب دور الشاهد على النهاية، والذي يراقب فصول الموت الأخيرة لا أكثر. وكما انتشر فيروس الإيدز سابقاً بواسطة الدم وأخلاط البدن والعلاقات الجنسية المشبوهة، فإن فيروس الإيبولا يعيد نفس السيرة السابقة شائنة الذكر. فيروس الإيدز يستخدم استراتيجية التغيير في التركيب الكيماوي الحيوي، حيث يقتحم تركيب الحامض النووي فيصبح قطعة منه، أما استراتيجية فيروس الإيبولا فهي أدهى وأمر، حيث يعمد إلى العنف في التركيب الجزيئي؛ بمعنى أنه يعرف لغة واحدة فقط هي: التكاثر والتكاثر، ثم التكاثر! فيروس الإيدز يسطو على أنواع من الكريات البيضاء في الجهاز المناعي، أما فيروس الإيبولا فيستخدم أي خلية مطية لهدفه المدمر، فباعه في الحيل أوسع وأكثر مكراً؛ إذ يتودد إلى دوريات الحراسة من الخلايا المهتمة بتصيد الأجسام الغريبة (والمعروفة بالبالعات)، فتنخدع به فيمتطيها، فإذا أصبح في داخلها ضرب ضربته فنسفَ البناء من داخله، فتسربَ إلى كل الأجهزة النبيلة والأعضاء الحساسة، وبذلك تحترق خلايا الكبد، وتتهدم مصافي تكرير بترول الجسم (الكليتان) ويختل الطحال، وتَتلف الطبقة الباطنة للأوعية الدموية؛ فينهار جهاز لزوجة الدم بالكامل. وبعد أن كان الدم يسبح بنعومة بين التميع والتخثر، وينساب كأنه اللحن العذب، يضخ الحياة في طرقات مملكة البدن، التي تبلغ مائة ألف كيلومتر.. يحدث الانقسام والنزاع في هذه المملكة اللطيفة، ويتحول كل قسم من الدم إلى حزب يصارع البقية الأخرى من الأحزاب والشيع.. وكل جزء متطرف يتكتل على نفسه فيكون الخثرات (الجلطات سادة الأوعية)، مثل القطران الأسود، وجزء كسل رخو مهمل يفقد كل قابلية للتماسك.. وعندها يبدأ الدم يتسرب من كل مكان، شيعاً وأحزاباً، وكل حزب بما لديهم فرحون! هذه الظاهرة هي التي يخشاها الأطباء، ويرتجفون منها رعباً وهلعاً، ويرمز لها بحروف مخيفة (DIC) أي انحلال الدم الشامل.. وهذا ما يفعله فيروس «الإيبولا».