انتشر مفهوم القوة الناعمة -بمعنى النفوذ والتأثير المعنوي- خاصة بعد نهاية الحرب الباردة ليبين أن السياسة الدولية لا تعتمد فقط على القوة العسكرية. ومع العولمة ومجتمع المعرفة، تكتسب القوة الناعمة عنصراً جديداً. فهل تُسهم المنطقة العربية في هذا المجال، أم أن صورتها العالمية لا تزال تُختزل في «داعش» و«القاعدة» وحروبها القبلية؟ تقدم دولة الإمارات العربية المتحدة تجسيداً قوياً لهذه القوة الناعمة الجديدة، ممثلة في بعض بنوك التفكير، مثل «منتدى الاتحاد» السنوي الذي أصبح رائد مؤتمرات الصحافة العربية منذ تسع سنوات، إلى مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الذي يستعد للاحتفال بعامه العشرين، إلى وليدين جديدين هما مركز الإمارات للسياسات، ومركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة. ورغم تعدد الآراء وتباينها حول العولمة، فإن هناك اتفاقاً عاماً على أن مجتمع المعرفة هو أهم تجلياتها، لكن هذا المجتمع لا يقتصر على نشر الكتب وقراءتها، أو صحف وغيرها من وسائل الميديا -قديمها وجديدها- أو حتى المعاهد البحثية التي تضم أكبر الخبراء وتضع تحت أيديهم كل الإمكانات لكي يستطيعوا تقديم أحسن ما عندهم، بل ويتفوقون على أنفسهم.. كل هذه فعلا خصائص واضحة لمجتمع المعرفة.. لكن الجديد الآن هو ما يسمى بنوك التفكير أو مراكز الفكر (Tink Tanks). والتعبير الإنجليزي، خاصة كلمة Tank (أي الدبابة)، يبين تأثر هذه المؤسسات بتاريخ نشأتها العسكرية، مثل إنشاء معهد دراسات الدفاع والأمن في لندن عام 1831. مع أن هذا المنظور العسكري استمر في القرن العشرين، إلا أنه أخذ بُعداً مختلفاً، بُعداً إنسانياً لمواجهة الحروب، فمثلا أوصى المتبرع أندرو كارنيجي مجلس أمنائه، عند إنشاء وقفية كارنيجي للسلام العالمي سنة 1915، بالعمل «من أجل منع الحروب، هذه الوصمة في وجه الحضارة الإنسانية». وكان ذلك قبل قيام الحرب العالمية ببضعة أشهر، نذيراً بمقاومة الحروب ولكن أيضاً بسيطرة الولايات المتحدة على بنوك التفكير، حيث تم إنشاء معهد بروكينجز الشهير سنة 1916، ليطلق العنان لإنشاء هذه المؤسسات أو «صناديق التفكير»، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية مع إنشاء Rand corporation سنة 1946. ورغم أن غالبية «بنوك التفكير» لا تزال تتركز في الولايات المتحدة وكندا، فإن الظاهرة انتشرت في أوروبا، خاصة بريطانيا، مع مؤسسات مثل Chatham House (المعهد الملكي للشؤون الدولية)، والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.. وتبعتها دول أوروبية أخرى مثل ألمانيا وكذلك السويد التي أنشأت «معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام».. وهي مؤسسات ومعاهد بحثية تشكل الآن الفكر والتوجه، ليس فقط داخل بلادها، ولكن على المستوى العالمي، وليس فقط في المجال العسكري، بل في السياسات العامة ككل، بما فيها قطاعات الاقتصاد والبيئة والتوترات الاجتماعية والأمن الإنساني بمفهومه الواسع. ودخلت المنطقة العربية هذا المجال متأخرة بعض الشيء، وربما كانت البداية مع إنشاء «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» سنة 1968 عقب نكسة 1967، حيث رأى عبدالناصر أن كلام الإعلام الرسمي عن إسرائيل هو جزء من الكارثة. وهذا المركز –رغم تدهور مكانته في الترتيب الدولي– كان رائداً في تقليد بنوك التفكير في المنطقة العربية ولا يزال مركز تدريب وتكوين لكثير من الباحثين الذين يعملون الآن في معظم بنوك التفكير في المنطقة. الفلسفة التطبيقية لبنوك التفكير رأيتها مجسدة في أبوظبي الأسبوع الماضي، مع المنتدى التاسع لجريدة «الاتحاد»، والذي كان موضوعه هذا العام الإرهاب والحرب عليه. والواقع أن هذه الجريدة كانت رائدة في إرساء هذا التقليد، إذ دأبت على جمع كتاب صفحات الرأي الدسمة فيها -وجهات نظر– لمعالجة أحد موضوعات الساعة. وقد تطورت أعمال المنتدى لتظهر في كتاب سنوي هام، كما هو الحال مع موضوع «مستقبل الدولة الوطنية» الذي تناوله المنتدى الثامن في أكتوبر 2013. لكن قد يكون أول بنوك الفكر في الإمارات هو مركز الإمارات الدراسات والبحوث والدراسات الاستراتيجية، والذي تأسس عام 1994، ليصبح المركز الأم فعلا بمؤتمراته، وورش عمله وكتبه، وآخرها الكتاب الهام عن «الإسلام السياسي»، والذي حرره المدير العام للمركز الدكتور جمال سند السويدي وأحد كبار الباحثين فيه وهو الدكتور أحمد الصفتي. وينضم إلى هذا التقليد الآن وليدان جديدان: مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، ومركز الإمارات للسياسات، والذي بدأ أيضاً بداية قوية بانعقاد ملتقى أبوظبي الاستراتيجي الأول مؤخراً بحضور أكثر من 200 خبير ومتحدث من بقاع الأرض المختلفة. قد يحتاج كل بنك من بنوك التفكير هذه مقالا بحد ذاته، لكن مرحباً بانتشار مظاهر القوة الناعمة من دولة عربية، مثل الإمارات التي تعيش على أراضيها نحو 200 جنسية مختلفة في سلام وفعالية، والتي تُبرهن على كيفية استخدام مواردها لتدعيم مجتمع المعرفة وتعميم الفائدة على المنطقة والعالم بأسره. فهل تحذو البلاد العربية الأخرى حذو هذا التقليد العلمي المستنير؟ -------------------- *أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأميركية في القاهرة