شرفت بحضور منتدى الاتحاد التاسع الذي أنهى أعماله يوم الأربعاء الماضي. اختار منظمو المنتدى «الإرهاب» موضوعاً له، وهو اختيار موفق بالنظر إلى التطورات الأخيرة في ظاهرة الإرهاب في الوطن العربي التي تشير إلى تفاقم الخطر نوعياً ومزيد من انتشاره جغرافياً. عالج المنتدى موضوعه بنهج شامل استند إلى خمسة محاور عن أسباب الإرهاب وتداعياته، وخريطة التنظيمات الإرهابية في العالم العربي، وخطر الإرهاب على النظام العربي، والإرهاب في زمن حركات التغيير، وأخيراً كيف يواجه النظام العربي خطر الإرهاب. قٌدمت في هذا السياق ثلاثة عشر بحثاً، دارت حولها مناقشات عميقة تميزت بجرأة الطرح وصراحته وعمقه، وتقديم أفكار جديدة غير تقليدية على النحو الذي أكد المكانة الرفيعة لمنتدى الاتحاد في الساحة الفكرية العربية، خاصة مع انتظام انعقاده سنوياً للمرة التاسعة حتى بات واحداً من أبرز المنتديات الفكرية في الوطن العربي إن لم يكن أبرزها، ولا تكفي المساحة المتاحة لهذا المقال لتغطية شاملة لما دار فيه بطبيعة الحال، ولكنني سأركز على بعض أهم القضايا التي ناقشها المنتدى والآراء – وبالذات غير المألوف منها- التي طرحت بشأنها. في أسباب الإرهاب كان منطقياً أن يؤكد د.عمار على حسن على الاستبداد السياسي كسبب أصيل للإرهاب، لكن د.شملان العيسى أثار انتباه الجميع، عندما طرح في نهاية إحدى مداخلاته بطريقة السهل الممتنع المعروفة عنه رجاءً مفاده ألا تحدثونا عن الديمقراطية كعلاج للإرهاب، فقد مضت خمسون سنة على الديمقراطية في الكويت والتوجهات المساندة للإرهاب تنمو، كما أن د.عبد الحق عزوزي أشار في تعقيب له إلى أن «العقول الملوثة» في دول الغرب قد نمت بسبب الحريات والديمقراطية، ومن الحقيقي أن الانتخابات قد أفرزت في بعض الأحيان نظماً إرهابية (آخرها نظام الإخوان المسلمين في مصر)، غير أنه من الصحيح أن ذلك لا يعود إلى الديمقراطية في حد ذاتها وإنما إلى عدم نضج الظروف التي تسمح بتطبيق سليم لها، ومن ثم ينبغي العمل الدؤوب والسريع من أجل إنضاج هذه الظروف، وكذلك لا ينبغي أن يقتصر فهمنا للديمقراطية على أنها مجرد انتخابات، وإنما هي جوهر لنظام الحكم يمكن الوصول إليه بآليات أخرى بالإضافة للانتخابات، وقد لاحظت في هذا السياق أن د.رضوان السيد، عندما طالب بدور لنظم الحكم في مواجهة الإرهاب قد تحدث عن «نظم للحكم الصالح تعيد الناس إلى سويتهم وتلبي احتياجاتهم»، أما نمو «العقول الملوثة» في دول الغرب الديمقراطية، فهو يرجع في تقديري إلى الغفلة والبطء في إدراك خطر الإرهاب من قبل السلطات المعنية في هذه الدول، وتجدر الإشارة أخيراً إلى أن د.أسعد عبد الرحمن، قد حذر من أن الدولة القوية قد تكون سبباً للإرهاب، وربما تكون المعادلة الصحيحة هي الأخذ بالديمقراطية دون السماح بدولة رخوة تشجع على صعود الإرهاب. احتلت الأفكار المغلوطة عن الدين مكاناً بارزاً في سياق الحديث عن أسباب الإرهاب، وهو بدوره أمر منطقي، فالإرهاب في الوطن العربي بل والعالم الإسلامي، وحيثما وجد مسلمون يتستر بالدين من خلال مفاهيم مشوهة، ولقد لفت د.عمار علي حسن إلى أن كل الأديان وليس الدين الإسلامي فحسب قد أنتج عنفاً بهذا المعنى، والمشكلة أن المفاهيم المغلوطة المشوهة قد امتدت إلى من يفترض فيهم صون الدين وحمايته. وقد لفت الباحث والناشط السعودي منصور النقيدان إلى أن أساتذة جامعيين قد أفتوا بالجهاد في الكعبة أو استباحة دم شيخ وسبي نسائه، وتساءل عما نتوقع عندما يدعو أمام الحرم المكي بالهلاك على أتباع الديانات الأخرى، وعلى من لا يعجبونه من المسلمين، وقد امتدت المفاهيم الدينية المشوهة إلى مناهج التعليم الديني فزاد انتشارها، وفي هذا الإطار دعا عديد من المشاركين إلى تصحيح الخطاب الديني وهو ليس بالمسألة السهلة، فقد تقاعست المؤسسة الدينية عن القيام بدورها فاضطلع به دعاة الإرهاب، واستُشهد في هذا السياق بعتاب علماء الدين، أو حتى توبيخهم منذ وقت قريب من قبل الملك عبد الله بن عبد العزيز. والمشكلة أن البنى الراهنة للمؤسسات الدينية في الوطن العربي تجعلها كما أشار البعض ممانعة لتصحيح الخطاب الديني، كما أن حالة الحريات في الوطن العربي قد لا توفر المناخ الملائم لعملية التصحيح، ويضاف إلى هذا أن المجتمع قد لا يكون محصناً ضد الأفكار الدينية المغلوطة وبالتالي قد يعرقل هذا تغلغل المفاهيم الدينية الصحيحة داخله، كما طرحت في هذا السياق فكرة إلغاء التعليم الديني من المدارس، باعتبار أنه يفرخ إرهابيين وترك المهمة للأسرة، وقد علقت على هذا الرأي بأنه لن يحل المشكلة، بل سوف يفاقمها، لأنه من الحقيقي أن هناك مناهج غير سوية للتعليم الديني، كما أن هناك أساتذة غير أسوياء، ولذلك فإن الحل يتمثل في إعداد مناهج قويمة للتعليم الديني، واختيار مدرسين أكفاء يفهمون صحيح الدين لتدريسها.