على مدى يومين كاملين يناقش كتاب «وجهات نظر» في منتدى الاتحاد التاسع، «الإرهاب من جديد»، مركزين على حول أفضل السبل والآليات لمواجهة ظاهرة الإرهاب العالمية وعمليات القتل البشعة باسم الدين الإسلامي. وهناك اتفاق من جميع الكتاب بأن المنظمين للمنتدى وفقوا في اختيار الموضوع على اعتبار أن الأحداث السياسية الحالية في العالم العربي، والتي تتم باسم الدين، أساءت للإسلام والمسلمين في العالم، وأن استمرارها يؤثر سلبياً على أكثر من مليار مسلم في العالم. صحيح أن تفجيرات 11 سبتمبر 2001 كانت بداية العنف الديني، وكان الاعتقاد السائد أن الإساءة للإسلام كدين يدعو للتسامح لن تحدث أكثر من ذلك، لكن ما نشهده اليوم هو كارثة حقيقية بكل المقاييس، وبالتالي فالأمر يحتاج من المسؤولين السياسيين ورجال الدين، وكذلك قادة الرأي العام، العمل على تخفيف حدة التطرف بين المسلمين (المسألة الطائفية) وبين المسلمين وغيرهم. وفي هذا الجانب، فإن تكرار أن الدين الإسلامي هو دين وسطي، وأنه دين تسامح ومحبة، رغم أهمية هذا الكلام، لكنه لا يكفي، وإنما المطلوب وقفة حقيقية تتمثل في تقييم فعالية المؤسسات الدينية في أداء دورها لأنه أصبح ضرورة، ولعل الإسلام كدين، أصيب بضرر كبير، ويحتاج اليوم لأن يمثل من قبل الحكومات وأن تمثله المؤسسات الرسمية في الدول العربية، مثل الوزارات والهيئات، على اعتبار أن تراجع هذا الدور يعني صعود الإسلام «الشعبي»، والذي عادة ما يقوده «أنصاف المشايخ»، والذين لا يفقهون من الدين إلا الجانب المتشدد والأفكار الخارجة عن الاعتدال. ورغم تعدد وتنوع المؤسسات الدينية، من جامعات ومعاهد إسلامية ومراكز بحثية، يظل المسجد أهم مؤسسة دينية مساهمة في بناء الشخصية الإسلامية، وإسنادها بقيم التيار الوسطي الرئيسي في الإسلام. ومن منظور التنشئة الاجتماعية، فالمسجد أكثر التصاقاً بالإنسان المسلم وبالتالي لديه القدرة على الضبط الاجتماعي، لكن هذا يعتمد على شخصية رجل الدين، وعلى هذا الأساس، فإن الاهتمام بإعداد هذه الشخصية أمر مهم. لقد نجح «لمطوع» في السابق، لكن اليوم -لأسباب مختلفة- تراجعت هيبته الاجتماعية، لذا فقد بدأت دولة الإمارات العمل على صناعة هذه الشخصية لتلعب الدور الذي يفترض أن تقوم به، وفي هذا الجانب تبرز أهمية خطبة الجمعة في معالجة مشكلات الحياة، ودعوة الناس للوسطية والاعتدال. أعتقد أن مسألة وجود رجل الدين الوسطي تزداد أهمية في الوقت الحالي، حيث تبرز ظواهر سلبية بعضها، باتت مزمنة، مثل القتل باسم الدين، والتعصب المذهبي، والعنف المرتبط بيافطات دينية. وفي هذا الإطار وصل الأمر لأن يقتل الكل بعضه، حيث تذكر القصص الإخبارية وجود أشقاء بعضهم مع «داعش» والآخر من «النصرة»، وفي أحيان كثيرة يتجاوز التطرف حدود القيم والتقاليد المجتمعية إلى حد السخرية من رجالات الدين والقيادات التي تمثل الدول، وهو أمر خطير على تماسك المجتمعات واحترام الرموز الدينية والسياسية، باعتبار الاثنين يمثلان سلطة مجتمعية، وبالتالي، فإن فقدانها يعني فقدان عامل مهم للردع. والواقع أن مراجعة الخطاب الإسلامي ونقده باتت عملية ضرورية، لتقويم مسيرته وتطوير أدائه. وذلك لرفع مستوى فعاليته وتأثيره في أفراد المجتمع ،وكذلك لتلبية حاجات الناس والارتقاء بهم، وليكون الخطاب على مستوى المرحلة الراهنة وتحدياتها، ومن شأن ذلك أن يخفف نوازع التطرف والتشدد التي يحاول البعض فرضها على الخطاب الديني، ويعزز اتجاهات الوسطية والاعتدال في مجتمعاتنا. وهناك اتفاق على أن المتطرفين لم ينجحوا في جذب قطاع من الناس لتبني أفكارهم المتشددة وممارسة العنف والإرهاب، بسبب قدراتهم العقلية عالية المستوى، أو بسبب قدرات خارقة، ولكن لأن المثقفين المتنورين الذين يفترض بهم تثقيف المجتمع والنهوض به، تقاعسوا عن أداء أدوارهم. ومن ثم، غاب تأثير الخطاب الديني الوسطي المعتدل، بمعنى أن المسؤولين عن الخطاب الديني تخلفوا أو غيبوا إعلامياً عن أداء دورهم، وتركوا الساحة لغيرهم! إن تجديد الخطاب الديني هو رأي المؤسسة الدينية الرسمية في الدول العربية، من قبيل مواجهة الإرهاب والتطرف الديني، وبعض آراء الجماعات الإسلامية، وفتاوى المشايخ التي تبدو غريبة في القضايا المجتمع. وبشكل أدق، فإن تجديد الخطاب الديني يعني مساندة الخطاب الديني الرسمي للحكومات في سياساتها الاجتماعية، عبر الدعوة للتسامح والوسطية. والمؤكد أنه حينما تضطلع المؤسسات الدينية بدورها، سيؤدي ذلك إلى تراجع خطاب الفكر المتطرف والعناصر المنتمية للتنظيمات المتطرفة، والأهم من ذلك كله بروز تيار اجتماعي مقاوم لهذه التنظيمات. وهناك اعتقاد آخر حول أهمية ما تقوم به المؤسسات الدينية في إطار «العمل الدعوي والتثقيفي على شبكة الإنترنت»، لما له من دور كبير في التصدي لظاهرة الغلو، وفي تعزيز قيم الوسطية والاعتدال. هناك إمكانيات كبيرة يمكن أن تساهم بها المؤسسات الدينية في نشر الوسطية والاعتدال، أهمها وجود استدعاء للمؤسسات الدينية من قبل الحكومات والمنظمات الدولية والإقليمية للتدخل في عالم الأفكار، من أجل تحقيق التوازن الفكري ومواجهة الأفكار المتطرفة. وفي هذا الإطار نذكر جامعة الأزهر الشريف، التي تلقى اهتماماً كبيراً من داخل مصر والدول العربية، بل وعلى الصعيد العالمي، لقيادة المعركة الفكرية ضد الأيديولوجيات والحركات الإسلامية المتطرفة.