بعد أن نجح في سحق المقاومة في الفلوجة سرعان ما اتجه الرئيس بوش إلى مواصلة الجهود نفسها ولكن في وزارة الخارجية الأميركية وداخل وكالة الاستخبارات المركزية. لقد تقدم كولن باول بـاستقالته لكن دعونا لا نخدع أنفسنا، فالبيت الأبيض لم يعد يرغب أصلاً في بقائه. وجاء في التصريح الذي أدلى به باول نفسه أنه قد توصل مع الرئيس بوش "إلى اتفاق يجعل من المناسب لي أن أغادر في هذا الوقت".
على أن الفائز الحقيقي في صراع السياسة الخارجية هو بدون شك ديك تشيني حيث إن ستيفن هادلي أحد مساعديه السابقين سيصبح مستشاراً للأمن القومي بينما تقفز كوندوليزا رايس بمساندة من تشيني لكي تمسك بمقاليد السياسة الخارجية. وفي حوار جرى مع جاك سترو وزير الخارجية البريطاني أشار باول بغضب واضح في إحدى المناسبات إلى كل من ديك تشيني ودونالد رامسفيلد وبول وولفويتز بأنهم "مجموعة من المجانين" وفقاً لكتاب صدر مؤخراً يتناول السيرة الذاتية لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير.
لقد أصبح السؤال الأكثر أهمية الآن فيما يتعلق بالفترة الثانية للرئيس بوش، هو هل سيعمد الرئيس إلى التخلص من مناصريه من اليمين المسيحي طالما أنه لم يعد يحتاج إليهم ويحاول تأمين إرثه السياسي عبر انتهاج سياسات أكثر اعتدالاً تساهم في توحيد الدولة؟ أم أنه في ظل عدم وجود ما يقلق بشأنه بعد إعادة انتخابه سيعمد إلى إجراء تغييرات ثورية أكثر إرضاءً لليمين المسيحي؟ وبالنسبة لي فإنني أميل بشدة إلى هذا الرأي الثاني.
إن العديد من الليبراليين ما زالوا ينتقدون كولن باول بشأن خداعه للعالم فيما يتعلق بوجود أسلحة الدمار الشامل في العراق أثناء كلمته التي ألقاها في الأمم المتحدة في فبراير من العام الماضي، وهو أمر مبرر بلا شك. ولكن الحقائق اللاحقة أثبتت أن كولن باول يمثل صوت العقل والمنطق في جميع المناقشات الخاصة بالسياسة الخارجية ابتداءً من باكستان إلى فنزويلا، وبدونه فإن العلاقات الخارجية ربما ستنزلق إلى مستويات أكثر مأساوية. ففي كوريا الشمالية والعراق وفي أوروبا كان باول أشبه برجل السيرك الذي يبذل جهوداً خارقة لمنع حدوث الفوضى وسط الأفيال. والآن فإن هذا الدور المفيد الذي لعبه في الإدارة لم يعد يعتبر نوعاً من الدبلوماسية السليمة. لقد ظل يرغب في إبداء وجهة نظره المخالفة ولكنهم آثروا أن يبعدوه عن الساحة. أما كوندوليزا رايس فهي تتميز بالذكاء والإخلاص والعمل الدؤوب ولكنها لا تجرؤ على الاختلاف، وهذا ما يحتاجه بالضبط الرئيس بوش، أن يجد شخصاً إلى جانب زوجته لورا يتفق معه في الرأي عندما يقدم على اتخاذ قرار يتسم بالغباء. وهو يحتاج إلى العديد من أولئك الأشخاص في المجتمع الاستخباراتي والذين لا يقتصر دورهم على سرقة الأسرار من الخارج وإنما بمقدورهم أيضاً مقاومة الضغوط السياسية في الداخل وتقديم التحليلات المرضية التي تتفق مع أهواء الإدارة. والآن لقد أصبح من غير المرجح مشاهدة الرؤوس وهي تتساقط داخل أروقة إدارة العمليات في وكالة الاستخبارات المركزية.
قد يبدو من المنطقي استبدال كولن باول بشخصية سياسية أخرى ولكن الجواسيس الذين تم طردهم من وكالة الاستخبارات المركزية جميعهم من المحترفين مهنياً. إن أفضل العناصر الموجودة في المجتمع الاستخباراتي ليسوا أولئك الذين يتجسسون لمصلحتنا في العواصم الأجنبية وإنما الآلاف من الأميركيين الذين يعملون في وكالة الاستخبارات المركزية وفي مكتب استخبارات الدفاع وفي مجلس الأمن الوطني وباقي المؤسسات التابعة لها. والآن فإن روحهم المعنوية قد انزلقت إلى الحضيض وستشهد المزيد من التداعي ناهيك عن ما جرى لكفاءاتهم وفعاليتهم المهنية.
إذن ما الذي نتوقعه في الفترة الرئاسية الثانية؟ المزيد من الضغط على كوريا الشمالية حيث بدت مجموعة الصقور تفتقد إلى الصبر وهي ترى ما تعتقده عناداً وتجاوزاً من كوريا الشمالية. وما لم يتحقق نوع من التقدم في القريب العاجل فسوف نشهد المزيد من الضغوط والدفع باتجاه تطبيق العقوبات. وسنرى أيضاً المزيد من الإرباك والإحراج الذي يتسبب فيه أرييل شارون.
وبخروج كولن باول من الساحة فلن يتوفر شخص في داخل الإدارة يمارس نوعاً من الضغط على الرئيس بوش لكي ينتهج سياسة أكثر توازناً. وهناك اصطدام مرجح مع إيران، وبخاصة عندما تتداعى الاتفاقية التي أبرمها الاتحاد الأوروبي مع إيران من أجل وقف برامجها النووية فإن الولايات المتحدة الأميركية ستستأنف ضغوطها من أجل تغيير النظام في إيران (والغريب أن الضغوط التي مورست لتغيير النظام في إيران وكوبا هي التي ساعدت هذه الأنظمة للبقاء في السلطة حتى الآن). وبعد ذلك ستجد الولايات المتحدة نفسها وهي منهمكة في مناقشات عما إذا كان يتوجب عليها غض بصرها في حال أن قامت إسرائيل بشن ضربات جوية على المواقع النووية الإيرانية.
أما في دارفور فالموقف مرشح لمزيد من الاضطراب والفوضى. وكان باول قد سافر إلى دارفور وأعلن أن المذبحة تنطوي بالفعل على إبادة جماعية قبل أن يواصل جهوده داخل الإد