جميعنا كلما توغلنا أكثر داخل حقول الحياة نَحنُّ لطفولتنا، كون الأيام أول شيء تقترفه هو الفتك ببراءتنا! وكلما سمعتُ عمّا يجري من انتهاكات في حق فتيات صغيرات لم يعشن سنوات طفولتهن، ألوم الأعراف العقيمة، وألعن الحروب والفقر والأميّة كونها مجتمعة الخصم الحقيقي المصادر لبراءة فتيات ما زلن يتلمسن طريقهن. يجب الاعتراف بأن هناك هوساً في كافة أرجاء العالم تجاه الأطفال واستغلالهن جنسيّاً! ونسمع يوميّاً عن فضائح مشينة متورطة فيها شبكات تُتاجر بالقاصرات، والمصيبة الكبرى حين يتورّط آباء في هذه الجريمة الشنعاء بتزويج بناتهم لرجال يكبرونهنَّ بعدة عقود من أجل حفنة من المال! في بلدان العالم الثالث تُجبر واحدة من كل ثلاث فتيات قاصرات على الزواج، بعض الحالات لم تصل فيها الفتاة إلى سن الثامنة! وهو ما يؤكد أن هناك خللا نفسيا عند بعض الرجال بإقدامهم على هذا النوع من الزواج، دون مراعاة لنتائجه الوخيمة وتسببه في وفاة بعضهن! هناك قضايا تظل مدفونة تحت رمال التجاهل عقوداً طويلة، ويتم التكتّم على قصص ضحاياها، ثم تطفو فجأة على السطح وتُحرّك الرأي العام! وهو ما حدث بالسعودية التي ظلّت ظاهرة زواج قاصرات لم يتجاوزن العاشرة من العمر فيها بعجائز مولعين بالعمر الصغير، تلقى قبولاً في مجتمعنا حتّى سنوات قريبة، إلى أن بدأت تُثير حفيظة الكثيرين! ولولا الهجمة الإعلاميّة الشرسة التي قام بها عدد من النشطاء والإعلاميين والكتّاب، والتي دفعت المحاكم السعودية مؤخراً إلى تقنين هذه الظاهرة المخيفة، لظلَّ الحال على ما هو عليه! لكن المحاكم السعودية استثنت من هذا القرار الجنسيات الأخرى كالسوريات والمصريات اللائي تُعاني بلادهن من تدنّ اقتصادي وقلاقل سياسيّة ومن ويلات الحروب! اغتيال الطفولة لا جنسية له، وكان يجب على المحاكم السعودية أن لا تتعامل مع القضية من هذا المنظور، والتغاضي عن الظروف القهريّة التي تمر بها أسرة الفتاة برميها في أحضان رجل يحرمها من أن تعيش طفولتها مثل أقرانها فتنضج قبل أوانها! زواج القاصرات لم يعد مشكلة تمر مرور الكرام لتداعياته السلبية على المجتمعات! وهو ما دفع حكومة اليمن التي تنتشر فيها هذه الظاهرة بسبب تدني مستوى المعيشة، إلى سن مادة دستوريّة تُحدد السن الدنيا لتزويج الفتيات. هذا المسلسل الإجرامي تجاه القاصرات لم ينتهِ بعد! بل ترتفع وتيرته بلبنان حيث تحدث قصص مروّعة بحق السوريات القاصرات اللائي هرب ذووهن بهن من جحيم الحرب ببلادهم إلى لبنان، واضطرار بعض الأسر لبيع بناتها القاصرات من أجل لقمة العيش ولجوء البعض الآخر إلى تزويجهن، وهو في رأيي لا يقل فداحة عن تجارة الرقيق التي كانت منتشرة في العهود الماضية. في دولة كبيرة مثل المغرب تنتشر ظاهرة الزواج العرفي للقاصرات في الريف تحديداً، وهذا يعود إلى ارتفاع نسبة الأميّة وانعدام الوعي والتمسك بالتقاليد القديمة، رغم القوانين الصارمة التي وضعتها الحكومة هناك للحد من هذه الظاهرة المخيفة، وهو الأمر نفسه الذي يتكرر بمصر لنفس الظروف! العرف في الأغلب يظلُّ أقوى من القانون بمجتمعاتنا العربية، وهو ما يستلزم نشر الوعي الفكري وتثقيف الأسر الفقيرة بمناطق الأرياف، من خلال القنوات الإعلامية والمؤسسات التعليميّة والتربويّة، والأهم من هذا محاربة الفقر والأمية اللذين يعتبران أكبر عدوين لكافة المجتمعات، ومن دون القضاء عليهما لا تستطيع القوانين حماية حقوق القاصرات! أما الحروب والقلاقل السياسيّة، فهذه الأسباب تقع على عاتق سياسيين دمّروا أوطانهم بلحظة طيش لتحقيق مآربهم الشخصيّة! ويوم تستيقظ ضمائرهم ستُصبح مجتمعاتنا العربية أسعد شعوب الأرض.