قد تصيب الدهشة أي إنسان ينظر عن كثب إلى برنامج إعادة إعمار العراق الذي بلغت قيمته التقديرية 20,3 مليار دولار أميركي، وهو البرنامج الذي أرسلته إدارة بوش إلى الكونجرس؛ وسبب الدهشة بند ذو تكلفة متواضعة ورد قرب نهاية القائمة: إنه متحف لجرائم البعثيين تبلغ تكلفته 1 مليون دولار· فماذا يفعل بند كهذا على قائمة تشتمل على بنود تدريب الشرطة وإعادة إعمار البنية التحتية؟
أتى المتحف المقترح من بنات أفكار كنعان مكّية، وهو منشق عراقي هرب من العراق في عام،1968 وقد لمع نجمه وبرز في الدعوة إلى الغزو الذي جرى بقيادة أميركا· وقد تلقى مكّية من سلطات الاحتلال الإذن بتشييد المتحف الذي سيؤوي، من بين ما يؤوي، مجموعة من الوثائق الحكومية المتعلقة بأعمال التعذيب وعمليات الإعدام التي صدرت أوامر بتنفيذها في العقود الثلاثة التي حكم فيها النظام البعثي· أما مبلغ الـمليون دولار الذي طلبته الإدارة فليس سوى التمويل المبدئي، وقال كنعان مكّية إنه سيحتاج إلى جمع 9 ملايين دولار لإطلاق العمل في المشروع، وإلى جمع مبلغ أكبر بكثير من ذلك لكي يتم إنجاز العمل·
في ظاهر الأمر نرى أن تصور ورؤية كنعان مكّية لموقع مخصص للحقيقة وإحياء الذكريات- على غرار متحف الهولوكوست في واشنطن، وعلى غرار المساعي المبذولة لبناء متاحف مماثلة في جنوب أفريقيا وكمبوديا- يأتي كتصور جدير بالثناء والمديح· لكن الأمر يتعلق بمجتمع عراق ما بعد الحرب الذي تناثرت شظاياه، ولذا لن يكون من السهل إطلاق أحكام وقرارات حول الحقيقة المتعلقة بالنظام القديم؛ ومن أسباب ذلك، على سبيل المثال، عدم اتفاق جميع الناس في العراق حول الرأي الذي يقول إن ويلات ومحن هذا البلد كانت ناتجة عن حكم صدام حسين الاستبدادي، لا بل إن البعض في العراق يشيرون بدلاً من ذلك إلى الخراب الذي تسبّبت به 12 سنة من العقوبات الاقتصادية التي تم فرضها على البلاد·
وفوق ذلك لا يبدو من المرجح أن كل شخص هناك سيوافق على أن كنعان مكية هذا، وهو المنفي الذي يتلقى الدعم من قوة محتلة للبلاد، هو الشخص المناسب ليكون رأس الحربة الذي يتصدر جهود البلاد ومساعيها إلى الحقيقة· وهناك دراسات عديدة أظهرت بوضوح أن المصالحة- أي إصلاح العلاقات المتضررة جداً بين الأمم، والشعوب أو المعتقدات - لا يمكن أن تبدأ إلاّ عندما يتم إحراز السلام والاستقرار· وعندما تتحقق الظروف المناسبة والصحيحة، يمكن للأمة أن تبدأ الانخراط في الجدل حول ماضيها·
ومن الممكن للبلدان التي كانت على اطلاع ومعرفة بالعمليات والفترات الانتقالية الصعبة أن توفر الخبرة في مجال الأدوات التقليدية اللازمة لتحقيق المصالحة، بدءاً بتأسيس لجان الحقيقة(على غرار حالة جنوب أفريقيا وغواتيمالا) ووصولاً إلى استحداث مراكز توثيق (على غرار ما جرى في كمبوديا) وذلك فيما يتعلق بسنوات العنف·
لكن في النهاية، ليس هناك سوى مجموعة واحدة- وهي في هذه الحالة مجموعة العراقيين الذين عانوا- يمكنها أن تتخذ قراراً،من خلال التشاور والتداول العام، لتحديد الروايات التي ينبغي تأكيدها والأصوات التي ينبغي سماعها وكذلك لتقرير الطريقة التي ينبغي بها إسناد المسؤوليات ولتحديد الوقت اللازم للحصول على صورة أو مشهد يوضح جرائم النظام القديم·
هل من الممكن للعراق ، وهو في باكورة أيام إعادة الإعمار، أن يكون في الحقيقة أحسن حالاً بالتركيز على ماضيه القريب وليس البعيد؟ إن بذل الجهود لاستعادة المتحف الوطني العراقي الذي تعرض لأعمال النهب والسلب- بما فيه من ثروة الكنوز القديمة التي تشهد على أيام مجد وتألق هذه المنطقة- يمكن أن يخلق إحساساً بالفخر القومي وبالانتماء أكثر مما يخلقه متحف الفظائع بكل ما فيه من إمكانيات كامنة تؤدي إلى التفرقة بدلاً من الوحدة·
إليزابيث كول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مسؤولة رفيعة في مجلس كارنيجي المعني بالأخلاق والشؤون الدولية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ينشر بترتيب خاص مع خدمة نيويورك تايمز