ما يمر في العالم الآن يمثل درساً عميق العِظات والدلالات، وخصوصاً بالصيغة الأكثر غِنى وبما في تاريخه الحديث والمعاصر، وكي لا نقع في الالتباس، وفي اضطراب المفاهيم والأفكار والرؤى، ينبغي أن نسارع إلى التذكير الدقيق بقضية الإرهاب وإشكالية البحث فيه في سبيل الخروج منه، والقضاء عليه على نحو يتماهى مع تاريخ العالم، وكي نفصح عن ذلك، نشير إلى أن الولايات المتحدة الأميركية، ومعها الدول الأوروبية المشاركة مع غيرها الآن في التحالف ضد «داعش» وغيره، بدأت فعلاً وحقيقة في العمل على مكافحة الإرهاب، مع نشأة الأدلة الدقيقة على ممارسته في هذه المرحلة، وعلى دور «داعش» في ذلك بكيفية خاصة، ومع العلم بأن «داعش» ليس أول تعبير عن الإرهاب بصورته الراهنة، الوحشية، فإنه من المعروف كذلك أن تنظيم «القاعدة» هو الذي شكل، في حينه، المرجعية الحاسمة له في وحشيته وفي منظومته الفكرية السوسيولوجية العامة. في سياق ذلك وضوئه، يطرح السؤال التالي نفسه في مرحلتنا الراهنة: لماذا تُكرّس الولايات المتحدة الأميركية وتوظف طاقاتها العسكرية الكبيرة أو الكبرى في خدمة إطاحة «الوحش الإرهابي الراهن»، مع أنها لم تفعل ذلك رداً على أحداث نيويورك الشهيرة؟ كان الجواب على ذلك، وهو مازال نفسه الآن، كالتالي: لم يكن الخطر على الولايات المتحدة وأوروبا (أي الغرب) في حينه قد تجاوز البعد الاستراتيجي لهذا الأخير، وتتسع الأسئلة التي نجمعها نحن حول أحداث الإرهاب في العالم، لنتبين ردود الفعل عليها من قِبل الغرب متوافقة مع مصالحه، بمعنى الكلمة الدقيق والشامل. إن هدفنا من ذلك هو الوصول إلى نتيجة أولية تتصل بما نحن الآن بصدده: ما يتصل بمصالح الغرب إياه من الصراعات والتخريب والتدمير، على نحو ما يحدث وما سيحدث في العالم على صعيد الإرهاب وما يتصل به وما ينشأ عنه، هو ما يهم الغرب ويمثل همه، ليس إلا! إن الغرب المعني هنا (الولايات المتحدة وأوروبا ولواحقهما وامتداداتهما) هو الذي أرسى دعائم التخلف والتخليف والإفقار والإذلال وصمت على تحول العالم العربي إلى حقل لأشنع صيغ التخلف والديكتاتورية والحيلولة دون فتح أبواب الديمقراطية والمجتمع المدني ومبدأ تداول السلطة، مع إقصاء وتحريم مبادئ الحرية والمحاسبة والبقاء في السلطة، أية سلطة، مع ترك احتمال ترك السلطة من قِبل الحاكم المستبد في حالتين: الموت الطبيعي أو القتل. ولكننا ها هنا نجد أنفسنا مرغمين على التوقف عند منعطف كبير خطير ومفعم بالكثير من التفكر في شؤون المواطن العربي عموماً، والذي ينتمي إلى الطبقات الوسطى المدمرة وما تحتها، حتى نصل إلى ما لا يوجد بعدها: أما ما يوجد بعدها، فنأخذ طرفاً منه، ممثلاً بما نطلق عليه، وفق علم الاجتماع الاقتصادي «الهجرة». وإذا كان الهروب يجد سبيله إلى ما يحلم به الإنسان المقهور والمذل والمجوع والمجهل إلخ، فإن ما حصل عليه من السعادة كبديل عما فقده معظم عمره، ضمن الدولة الأمنية في الدول العربية، التي تصنع أفراد المجتمع المعني، بحيث يصبح «الجميع» ملوثين ومُدانين تحت الطلب، تأتي بذلك عملية توحيد المجتمع التي أخفقت وتصدعت في الواقع العربي الحي، بطريقة توحيد المجتمع في مرضه السريري الذي يفقد فيه الكرامة والحرية إلخ. لذلك من يعترض الآن على برنامج مكافحة الإرهاب من قبل الولايات المتحدة والدول الأخرى بتأكيد القول إن تحقيق ذلك لا يتم عن هذا الطريق، وإنما عن طريق البدء باجتثاث الحاضنة السوسيوتاريخية والفكرية القيمية لحالة الإرهاب في صيغه المتعددة والمتكاثرة، وإذا كان هذا الرأي يمتلك مصداقية معرفية نظرية محضة، إلا أنه يفتقد بذلك مصداقيته التاريخية المجتمعية والسياسية التي تستوجب الاستجابة لمشروع اجتثاث «داعش» وأمثاله راهناً، ولكن ضمن طريق التأسيس لهذا المشروع في عالم خرج من المذلة والمجاعة والجهالة ومن الاستبداد السياسي بأسسه الأربعة: استئثار بالثروة والسلطة، والإعلام، والمرجعية المجتمعية السياسية.