لا أعرف لماذا يندهش كثير من المسلمين الآن، من «فتاوى التكفير» التي أسس عليها بعض أبناء نيجيريا-مثلاً - تحريمهم للعلم الغربي و«جهاد هم للخارجين» على صحيح الإسلام، بإقامة تنظيم «بوكو حرام»، والسعي به لـ«الجهاد» والمقاتلة، وليس «الإصلاح» في أنحاء نيجيريا وبلاد غرب أفريقيا؟ لقد قفزت الأفكار التكفيرية من زاوية تعبدية في «كانو»؛ مدينة التحديث بشمال نيجيريا في الثمانينيات إلى حركة جهادية زاحفة من منطقة التسامح السابق في «مايدوجري» شمال شرقي البلاد، منطقة «الشيخ الكانمي»، و«المايات» ورثة سيف بن ذى يزن! كان لا بد من الانتقال بمعارفي من عالم التفسير السياسي، وحتى الاجتماع السياسي، إلى عالم الأنثروبولوجيا، وسوسيولوجيا السلطة الاجتماعية في بلادنا، لنتعرف على طبيعة رأس المال الفكري، في هذه الأمم، وماذا جرى له! وقد قرأنا من قبل تراث «دان فوديو» و«بلايدن» حول أسس استقرار الإسلام في المنطقة وقدرته الكامنة على المحافظة والتوحيد. وقد أتيح لي قراءة جديدة لكتاب وثائقي آخر صادر بالجزائر أوائل سبعينيات القرن الماضي باسم «أسئلة الأسقيا وأجوبة المغيلي» (عن الشركة الوطنية للنشر والتوزيع)، متضمناً «المسائل السبع» من حوار سلطان الصنغاي المغوار محمد الأول الشهير بـ«أسقيا» (القرن الخامس عشر) مع الإمام الشيخ محمد بن عبد الكريم المغيلي، المغاربي «التلمساني»، وإذ بهذه المسائل من أخص قضايا إحدى ممالك غرب أفريقيا الممتدة من «جاو» و«تمبوكتو» إلى حدود «كانم- بورنو» نفسها في الشمال النيجيري، وكانت تتكيف فيها الفتوى بين التكفير والتسامح مع تطور المجتمع في الصحراء الكبرى. لم يخرجني من جو الدهشة أو التساؤل هذا، إلا الكتاب الجاد الذي أصدره الدكتور «حيدر إبراهيم علي» باسم «سوسيولوجيا الفتوى- المرأة والفنون نموذجا» (مركز الدراسات السودانية 2010). فالكتاب رحلة في عالم السوسيولوجيا والإنثروبولوجيا، وما بين علم الاجتماع الديني، والاقتراب الدقيق من قضايا الفقه والشريعة، بما نعرفه عن «حيدر إبراهيم» وإصداراته السابقة حول «لاهوت التحرير»، والحركات الإسلامية والمشروع الإسلامي في السودان.. إلخ. ولن أقلل من أهمية القسم الثاني من الكتاب عن سوسيولوجيا المرأة في الإسلام، والمعالجات الجريئة بتحليل ما يجرى في مجتمع الحداثة عن المرأة والحياة، وحتى حكم المرأة في قيادة السيارات، بل وإن القارئ قد يذهب مع «حيدر» إلى كتابه الآخر عن أحكام الحجاب وحساسية غطاء «شعر المرأة»، بما يدخل في عمق الإنثروبولوجيا العربية والإسلامية وأصول وضع «التابو» في المجتمع العربي. ولا أظنني - وقد تجاوزت الحديث عن موقف فتاوى الفنون- ببعيد طول الوقت عن بحث مصادر العنف والإرهاب بعملية التجهيل في مجتمعنا، إزاء ما يكتشفه قارئ مثل هذا الكتاب من تلاعب طول الوقت بالمسائل الدينية في تاريخ العالم الإسلامي، وإنْ كان المخلص منا سوف يكتشف في سوسيولوجيا هذا التراث كيف جاء مسالماً تارة، وتارة مثيراً أو داعماً لكل هذا العنف اعتماداً على «الفتوى الدينية». يكشف «حيدر إبراهيم» عن مصادر الإشكالية في الفتوى، بين كونها- في تقديري - دعماً لحالة الفردية والتشوه الاجتماعي في ظل أنماط الاستبداد السائد- وبين جاذبيتها لتيسير «الدور الاجتماعي» الجديد لـ«العلماء» والمتعالمين كآباء روحيين لأفراد معزولة بعد سقوط «الدور المجتمعي»، الذي خدمت فيه الفتاوى حكم السلاطين لعامة الناس لقرون خلت، وفى كل الحالات يرى «حيدر علي» أن هذه الحالة هي مجرد استدعاء الماضي- كتراث- وكأنه حقيقة آنية، دون أن يتطلب الأمر استدعاء «المنطقي» في الدين الصحيح، وإنما استدعاء اللاعقلاني والفردي. وهنا يتجسد استبداد المفتي بين الجماعات الجديدة بديلاً لقبول استبداد الحاكم أو القيم الاجتماعية السائدة. ويكشف «حيدر» خطورة الفتوى في مواقف، تتعلق أحياناً بمصائر الأمم، مثل الفتاوى الخاصة بـ «الغزو الخارجي» ما دار حول العراق، أو ما يدور عن الغزو الأجنبي ووجوده في أراضى الغير. والكتاب غني بتوصيفه لمؤسسات الفتوى بعد مركزية التعاليم «القرشية» «والحاجة» للضبط الاجتماعي مع تعدد المجتمعات الإسلامية. وينقله ذلك لمسألة مهمة حول ظروف "التشدد" و"المرونة" في مجالات الفتوى وظروف هذه وتلك من الناحية الاجتماعية والشرعية. وهنا حديث ملئ بالطرافة وجدية التصنيف، حول بساطة المذهب المالكي (الذي تحدثنا في مقال سابق عن شيوعه في أفريقيا خاصة)، وعن براعة وعمق "أبو حنيفة" مع "قدرته على التخلص من جمود النصوص إزاء تعقد الحياة الحضرية. وأظن أن الفصل الخاص بـ«الحيل الشرعية» وشعبوية الفتاوى في كتاب «حيدر» ومساهمات مدرسة الكوفة، مما لا يمكن العبور عليه دون توقف. الملاحظات المهمة في «كتاب سوسيولوجية الفتوى» تثير تأملاً حديثاً عن تراث راسخ في الثبات يؤدى أحيانا إلى شيوع التطرف والعنف بمجرد الفتوى عن «جاهلية المجتمع»، أو تكفير مسلمين وأقليات.. إلخ، كما يؤدى أحياناً أخرى إلى فتاوى علماء السلاطين، التي لا تؤدى إلى أي تطور مجتمعي أو سياسي، بل إن الفتاوى التي يرصد «حيدر» مخاطرها خاصة فيما يتعلق بمسائل علمية وطبية، أو بشأن مشاركة المرأة في شؤون المجتمع، أو دور الفن في تطور المجتمعات تربوياً ونفسياً. كل ذلك يذكرنا بتراث الفتوى في أفريقيا، وكيف استغلت في تكفير القبائل لبعضها أو السماح بالاسترقاق واستمرار العبودية، أو الانحياز لطرف دولي دون آخر في ظروف الحرب، مثل الوقوف بالفتوى مع الحلفاء ضد المحور في الحربين، خاصة ما أثاره العثمانيون في الحرب الأولى ضد فقهاء غرب أفريقيا بسبب فتاواهم مع الفرنسيين والإنجليز. وقد امتد الأمر الآن إلى ما أورده «حيدر» عن «المفتى المعولم»، إشارة إلى مستشار ثم مستشارة الرئيس الأميركي للشؤون الإسلامية منذ التسعينيات، وحتى مساندة الموقف الأميركي لـ«الإخوان المسلمين» في مصر، وهم «مفتون» من خريجي مدارس الاستشراق الأميركية مما يذكرنا بكتابات «إدوارد سعيد» عن إخصائيي الشرق الأوسط! وهى قدرة على الإفتاء لمصلحة اتجاهات إقصائية بأكثر مما تبدو أنها لمصلحة التكيف مع الواقع التراثي، وإن قصدته لأغراض أخرى، وقد ثبت أنها تتجاوز ذلك فقط عندما يتعلق الأمر بالتكيف مع ثقافة الغرب السابق تكفيره بينما نظل نكفر الأفارقة. ولعل إنشاء المجلس الأوروبي للإفتاء (1977) بمعرفة مجالسنا الإسلامية لتبرير الربا والقروض للمسلم الأوروبي دون إنشاء هيئات مماثلة على المستوى الأفريقي مثلا خاصة في مناطق الصراع المعروفة يعتبر نموذجاً جديداً لسوسيولوجيا الفتوي، كما يعرضها حيدر إبراهيم علي. والحق أن سوسيولوجيا الفتوى سياسياً ستصل بنا إلى أنماطها الممتدة على هذا النحو من «المغيلي» و«السيوطي» و«القرضاوي» إلى مفتي الرئيس الأميركي بالبيت الأبيض، مما يحتاج إلى فرز ودراسة مدققة، ومسؤولية مجتمعية وفكرية قد تكون مساهمة «حيدر إبراهيم علي» أحدها.