كانت الخدمة العسكرية الإجبارية لدى سكان حضارة أثينا القديمة شرطاً مُسبقاً غير قابل للتفاوض للحصول على الجنسية، والانتهاء من الخدمة العسكرية الإلزامية، يجعل المرء مؤهلاً بأن يتقدم لِشَغل الوظائف العامة وضمان حق التصويت. وفي عصرنا الحالي تُعد الخدمة العسكرية الإلزامية تلبية صادقة لنداء الوطن، ومن العوامل الرئيسية لتعليم النشء المسؤولية والانضباط المطلوب لخوض غمار الحياة العملية أو الأكاديمية. الناس يذهبون إلى التدريب الأساسي وهذا من شأنه تحفيز ورفع مستوى الانضباط واللياقة البدنية، والفخر، واحترام الذات لديهم ومنهجية التخطيط للوصول للأهداف المرجوة متى ما بذلوا في المقابل الجهد الكافي، وهو أمر محمود للغاية وقد يُحدث الفارق في شخصيتهم من الناحية النفسية والبدنية والمهنية مستقبلاً. ولو فكرنا فيها بمنطق متوازن لوجدنا أن التجنيد الإجباري هو أحد أهم القرارات للحفاظ على الهوية الوطنية وتعزيز روح الولاء والانتماء لأرض الوطن إذا أخذنا بعين الاعتبار كيف تنشأ الأجيال الحالية والمتغيرات في نمط الحياة والمدخلات الجبرية على نمط سلوك الأفراد والجماعات والتهديدات الحقيقية التي تواجه الوطن العربي حالياً ومستقبلاً. فالتهديد لم يعد تهديداً بل عدواناً نرى نتائجه في كل بُقعةٍ في وطننا العربي إما بتدمير مباشر أو غير مباشر، ولذلك من الطبيعي أن ننظر بعناية لواقعنا ونبحث في كل الخيارات لحماية مكتسباتنا ومواجهة تلك التحديات باستخدام عناصر عضوية محلية من بيئتنا تُدرك واقع ما يحدث حولها والتهديد الذي أصبح يأتي من الداخل قبل الخارج. فمن الاستشراف والتنبؤ العلمي المحسوب أن يتم التعاطي مع التجنيد العسكري الإلزامي كتعبئة وجاهزية مؤجلة بعيداً عن التركيز على التأهيل الاحترافي للكادر العسكري على إجادة استخدام السلاح المتطور العصري والتجهيز لخوض حروب المستقبل التي ستعتمد على الاحترافية والتخصصات الدقيقة والكيف أكثر من الكم وعدد القوات. وهنا السؤال الذي يطرح نفسه: ما هي مجالات التأهيل التي سيتم تدريب المجندين عليها؟ وهل سيتم إعدادهم وفق تخصصات تُؤهلهم كقوات دعم مختلفة بعضها عسكري بحت، والآخر ليس كذلك مثل خدمات الدفاع المدني أو إدارة الطوارئ والأزمات والتعافي من الكوارث أو تشغيل محطات الطاقة الحيوية أو التمريض على سبيل المثال، وهل سيتم ربط تلك الفترة بطرح مواد جامعية تُدرس للمشاركين في نهاية إجازة الأسبوع بشكل مكثف أو من خلال التعاقد مع إحدى الجامعات الراقية لتقديم حلول للدراسة "عن بعد" للمتدربين دون أن يؤثر ذلك على تحصيلهم الفني العسكري بحيث يكتسب- من يرغب منهم- ساعات أكاديمية معتمدة لا تربو على 30 ساعة دراسية، أي ما يعادل سنة دراسية تقليدية في أي جامعة وللحاصلين على التعليم الجامعي هل سيتم طرح برامج تأهيلية تعليمية احترافية في المحاسبة أو الموارد البشرية أو إدارة المخاطر مثلاً وطرح بعض مواد الماجستير؟ وهل سيكون التأهيل نفسياً وثقافياً ووطنياً بقدر ما هو عسكري، فجندي المستقبل قد يحارب من الميدان أو من الآلية التي يقودها أو من جهاز كمبيوتره، وعصر الضربات الذكية التي قد تنهي المعركة قبل أن تبدأ. والتعامل مع الخدمة العسكرية هو موضوع متشعب لأنه يعد قضية استراتيجية تتعلق بالأمن القومي والأمن الجماعي والفردي، وإيجاد فئة كبيرة من الشعب مدربة على استخدام السلاح وسلوكيات ستُمارس وأفكار ستُتبادل، وستؤثر دون شك سلباً وإيجاباً على العمود الفقري لمستقبل الموارد البشرية في العالم العربي. لذلك يجب أن نُفكر في المخاطر بأسلوب علمي موضوعي، وأن نكون حذرين بشأن كيفية التعامل مع المنظومة ككل، وإلا قد تواجه تلك الدول بعض العواقب غير المرغوب فيها، خاصة إذا كنا نعيش في بلدان الشرق الأوسط وحروب العقول والإيديولوجيات والفكر، والسؤال الرئيسي كيف سيستخدم التجنيد الإلزامي لبناء جيوش وطنية قوية، وجعل الجيوش جزءاً مهماً من اقتصاد الدول ومحوراً حيوياً من محاور تطوير البحث العلمي ودفع عجلة النمو والتنمية المعرفية والتنمية بصورة عامة وأخذها لأبعاد جديدة تساهم في تبلور واكتمال وحدة الأمن الكلي وإعادة الأحياء النهضوي في الوطن العربي. بالإضافة إلى هذا يجب أن نفكر في احتمالية التغذية المُرتدة السلبية، وأن نتجنب أن نخلُق الكراهية والشعور العدائي ولو بين أعداد تكاد لا تذكر من المتدربين، ولذلك من البديهي أن نتساءل إذا كانت الطواقم التدريبية بالفعل مُعدة بصورة مختلفة وابتكارية للتعامل مع تلك الفئات من الأعمار التي ليس لبعضها رغبة نهائية في الخدمة العسكرية، كما أن من بين تلك العناصر لا بد من وجود فئة لا تزال ثائرة على المجتمع وقِيَمِهِ التقليدية ومن مستويات مجتمعية مختلفة وبعضهم سيشعر أنه مُجبر على فعل ذلك ويكون عامل إحباط للروح المعنوية للمجموعة، فكل تلك أمثلة بسيطة على المعضلات التي قد تبرز مع أننا متأكدون أن لها حلولاً وخططاً جاهزة من قبل الجهات القائمة على الأمر. ومن ناحية أخرى لماذا لا تُفتح الخدمة العسكرية لمن هم فوق سن 30 أو 35 سنة المعمول به، وربط ذلك ببعثات دراسية تخصصية أو التفرغ لسنة بحثية يحتاجها القطاع العسكري والأمني بحيث يخدم الشخص بغض النظر عن السن ما دام الغرض هو خلق جيوش ذكية وأمن حداثي معاصر وتعزيز التمكين المعرفي المستدام في الدول. وفي ما يخص السنة التدريبية في الغالب يجب أن لا تكون السنة شيئاً يُنظر إليه بعد عدة سنين على أنه وقت مهدر من حياة الفرد، ولهذا يجب التركيز على فهم منظومة الدولة وتاريخها وسياستها واقتصادها وقوانينها ونظمها والاستراتيجيات المستقبلية والسياسات العامة، بجانب التنمية الذاتية للشخص خلال هذه الفترة مع وجود متخصصين في التدرج لرفع اللياقة البدينة وتقسيم المتدربين وفق استعدادهم البدني والصحي والتدريب على فنون قيادة الحياة وتطوير الشخصية والذات وإجبار المتدربين على ساعة قراءة حرة على الأقل يومياً ووضع جائزة نقدية كبيرة لأفضل بحث علمي عسكري في نهاية الفترة وتوفير مراكز تصنيع وعلوم وتكنولوجيا وأدب وفنون مُصغرة، وجعلها جزءاً من المادة التدريبية وجعل التجربة مُمتعة ومن أكبر التجارب التي تترك أثراً في حياة أي إنسان. وفي نهاية المطاف، فإن الخدمة العسكرية بالأساليب العلمية التي تعكس احتياجات البلد برؤية طويلة الأمد، هي من ساهمت في وضع البنى الأساسية ووفرت دعماً لبحوث وتجارب أعظم عباقرة الإدارة والاقتصاد والعلوم المختلفة والمخترعين والقيادات في مختلف المجالات. وتلك النماذج المشرقة يجب أن تكون جزءاً من التدريب وخلق عقلية الشخص الناجح والمواطن الصالح قبل كل شيء، وأن الوطن له حق ودين على مواطنيه وليس العكس، فالتجنيد الإلزامي يساوي استعدادية وجهوزية دائمة وبدائل عملية تحقق الاكتفاء الذاتي في جانب مهم يتعلق بالعمق الأمني الوطني الداخلي وضرورة ملحة من مكونات الدفاع الشعبي الشامل عن حياض الوطن مع التشديد على كونه معرفياً وذكياً بجانب مهارات العلوم العسكرية الأساسية المتعارف عليها وأن يُطبق باحترافية تعكس الواقع والاحتياجات والأولويات الوطنية الآنية والمستقبلية. وبفِرَق عمل تُفكر خارج الصندوق، سيصبح التجنيد البوابة الرئيسية للمجتمع المعرفي المُحصن ذاتياً، ومن أهم جرعات اللقاح الناجعة ضد ضعف الروح الوطنية. وأما عكس ذلك قد يقودنا لنتائج ذات جودة منخفضة جداً.